وَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ قَطُّ، وَامْتَلَأَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَسْبِيحِ أُمَّتِهِ، مِمَّا يُسَمَّى"فَارَانَ"سِوَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَسِيحُ لَمْ يَكُنْ فِي أَرْضِ فَارَانَ أَلْبَتَّةَ. وَمُوسَى إِنَّمَا كُلِّمَ مِنَ الطُّورِ، وَالطُّورُ لَيْسَ مِنْ أَرْضِ فَارَانَ، وَإِنْ كَانَتِ الْبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الطُّورِ وَأَرْضِ الْحِجَازِ مِنْ فَارَانَ، فَلَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ فِيهَا التَّوْرَاةَ، وَبِشَارَاتُ التَّوْرَاةِ قَدْ تَقَدَّمَتْ بِجَبَلِ الطُّورِ، وَبِشَارَةُ الْإِنْجِيلِ بِجَبَلِ (سَاعِيرَ) .
وَمِثْلُ هَذَا كَمَا نُقِلَ فِي نُبُوَّةِ (حَبْقُوقَ) أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ اللَّهُ مِنَ التَّيَمُّنِ، وَظَهَرَ الْقُدُسُ عَلَى جِبَالِ (فَارَانَ) وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ
تَحْمِيدِ (أَحْمَدَ) وَمَلَكَ بِيَمِينِهِ رِقَابَ الْأُمَمِ، وَأَنَارَتِ الْأَرْضُ لِنُورِهِ وَحَمَلَتْ خَيْلُهُ فِي الْبَحْرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، وَهِيَ خَمْسَةُ أَسْفَارٍ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ فِي قِصَّةِ هَاجَرَ، لَمَّا فَارَقَتْ سَارَّةَ وَخَاطَبَهَا الْمَلَكُ فَقَالَ:"يَا هَاجَرُ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تُرِيدِينَ؟"فَلَمَّا شَرَحَتْ لَهُ الْحَالَ قَالَ: ارْجِعِي فَإِنِّي سَأُكْثِرُ ذُرِّيَّتَكِ وَزَرْعَكِ حَتَّى لَا يُحْصَوْنَ وَهَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا نُسَمِّيهِ إِسْمَاعِيلَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وَخُضُوعَكِ، وَوَلَدُكِ يَكُونُ وَحْشِيَّ النَّاسِ، وَيَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ، وَيَكُونُ عَلَى تُخُومِ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ.