فَتَعْلِيمُ مُحَمَّدٍ وَتَذْكِيرُهُ وَشَهَادَتُهُ هُوَ تَعْلِيمُ رُوحِ الْقُدُسِ وَرُوحِهِ، وَالْأَخْبَارُ بِأَنَّ الْمَلَكَ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ الْبَشَرِ، أَوِ الْجِنِّيَّ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ الْبَشَرِ كَثِيرٌ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ:"كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ"، وَيُقَالُ:"مَا أَلْقَى هَذَا عَلَى لِسَانِكَ إِلَّا الشَّيْطَانُ"، وَيَكُونُ مَعَ هَذَا الْبَشَرِ يَنْطِقُ بِقُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ لَيْسَ هُوَ كَالْمَصْرُوعِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ الْجِنِّيُّ عَلَى لِسَانِهِ وَهُوَ يَدْرِي مَا يَقُولُ ; فَلِهَذَا يُقَالُ: هَذَا قَوْلُ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّسُولِ الْمَلَكِيُّ.
وَيُقَالُ: الْفَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ وَرُوحُ الْقُدُسِ يَشْهَدُ لِي وَهُوَ
يُعَلِّمُكُمْ، وَهُوَ يُذَكِّرُكُمْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْفَارَقْلِيطَ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ جَمِيعًا، وَقَوْلُ أَحَدِهِمَا هُوَ قَوْلُ الْآخَرِ، وَمَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ ; كَقَوْلِهِ:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ} [البقرة: 217] .
وَالشَّهْرُ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْقِتَالِ، لَكِنْ لَمَّا اشْتَمَلَ عَلَى الْقِتَالِ أُبْدِلَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، وَقَوْلُهُ:
{قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا - رَسُولًا} [الطلاق: 10 - 11] .
وَمِنْ هَذَا النَّمَطِ أُبْدِلَ الرَّسُولُ مِنَ الذِّكْرِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الثَّانِي اشْتَمَلَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالرَّسُولُ الْبَشَرِيُّ كَانَ الرَّسُولُ الْمَلَكِيُّ يَتَّصِلُ بِهِ فِي الْبَاطِنِ فَيَثْقُلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ حِينَ يُنْزِلُهُ.