وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا"أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ قَالَ: أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعِيتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ. قَالَتْ عَائِشَةُ:"
"وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لِيَتَفَصَّدُ عَرَقًا".
وَالْفَصْمُ: الْفَكُّ وَالْفَصْلُ مِنَ الْأُمُورِ اللَّيِّنَةِ، كَمَا قَالَ: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] .
وَبِالْقَافِ: هُوَ الْكَسْرُ الَّذِي يَكُونُ فِي الْأُمُورِ الصَّلْبَةِ.
فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَلَكَ حِينَ يُنْزِلُ الْوَحْيَ عَلَيْهِ يَتَّصِلُ بِهِ، وَيَلْتَبِسُ بِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْفَصِلُ عَنْهُ وَيَنْفَكُّ عَنْهُ، وَهَذَا الِاشْتِمَالُ وَالِانْفِصَالُ أَبْلَغُ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَحْسُنُ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ إِبْدَالُ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ أَحْسَنَ مِنْ غَيْرِهِ. فَيُقَالُ: هَذَا الْقُرْآنُ بَلَّغَهُ الرَّسُولُ النَّبِيُّ، وَبَلَّغَهُ جِبْرِيلُ عَنِ اللَّهِ، وَنَظَائِرُ هَذَا مُتَعَدِّدَةٌ فِي جَمِيعِ بِشَارَاتِ الْمَسِيحِ. يُذْكَرُ أَنَّ الْأَبَ وَهُوَ فِي لُغَتِهِمْ: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الْفَارَقْلِيطَ. وَفِي بَعْضِهَا قَالَ:"أَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْأَبِ"