كَمَا قَالَ فِي الْمُشْرِكِينَ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} فَهُمْ إذَا تَابُوا وَالْتَزَمُوا الصَّلَاةَ كُفَّ عَنْ قِتَالِهِمْ. فَهَذَا مَبْدَأُ إقَامَتِهَا ثُمَّ إذَا فَعَلُوهَا فَقَدْ أَتَمُّوا إقَامَتَهَا.
وَأَمَّا إذَا الْتَزَمُوهَا بِالْكَلَامِ وَلَمْ يَفْعَلُوا فَإِنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَجَدَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ صَلَّيْت مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ. فَقَرَأَ إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فَسَجَدَ فَقُلْت: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: سَجَدْت بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ وَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَأَمَّا سُجُودُهُ فِيهَا فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ دُونَ الْبُخَارِيِّ. وَالسُّجُودُ فِيهَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ لَفْظَ السُّجُودِ فِيهَا لَمْ يُرِدْ بِهِ إلَّا مُطْلَقَ الْخُضُوعِ وَالِاسْتِكَانَةِ وَأَمَّا السُّجُودُ الْمَعْرُوفُ فَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ السُّجُودُ الْخَاصُّ مَشْرُوعًا إذَا تُلِيَتْ لَا سِيَّمَا فِي الصَّلَاةِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ جَوَابُ مَنْ أَجَابَ مَنْ احْتَجَّ بِهَا عَلَى وُجُوبِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الْخُضُوعُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا فُسِّرَ السُّجُودُ بِالصَّلَاةِ كَمَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ لَمْ يَجِبْ سُجُودُ التِّلَاوَةِ. قِيلَ الصَّلَاةُ مُرَادَةٌ مِنْ جِنْسِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. كَمَا تَقَدَّمَ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تُوجِبُ عَلَى مَنْ قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَنْ يَسْجُدَ