والفرق الجوهرى الذي يميز بين الإثنين هو موضوع الحديث، والفكرة التي يكشف عنها.
فإن كان موضوع الحديث حقائق ثابته يراد شرحها وتلخيصها لتقر في الأذهان، وتأخذ شكل القوانين اليقينية أو ما يقرب منها، ويهدف منها الكاتب إلى إقناع القارئ أو السامع بالنتائج التي يتوصل إليها.
ومثل هذا النوع من الأفكار يتطلب من الكاتب أو الباحث عملًا مخصوصًا. . .
وطريقة معيَّنة.
وهذا يُعرف بالأسلوب العلمي.
ويتبع فيه الكاتب الخطوات الآتية: فعليه أولًا: أن يختار الأفكار التي يريد شرحها لجدتها أو قيمتها العلمية.
ثم عليه ثانيًا: أن يرتب هذه الأفكار ترتيبًا منطقيًا ليكون ذلك أدعى إلى فهمها وحسن تنسيقها وارتباطها في الذهن.
وتسلسلها المؤدى إلى فهمها وقبولها.
وعليه ثالثًا: أن يختار الألفاظ الواضحة الدلالة اللائمة للفكرة ليكشف بها عما في نفسه من قيم وحقائق وأفكار.
وهو يتوجه بهذه الحقاق والأفكار إلى العقل: لأنه مركز التلقى والتحليل والاستنتاج - فالأسلوب العلمي موضوعه حقائق ذهنية ومظهره العام خبرى يجلى الواقع ويوضحه مويدًا حقائقه بالأدلة والبراهين - عقلية.
أو نقلية.
أو تجريبية - والفكرة فيه يجب أن تنمو نموًا تصاعديًا.
وهذا يقتضي تقسيمها إلى أجزاء.
والألفاظ فيه يجب أن تكون محددة المعنى حتى لا يؤدى ذلك إلى غموض في الاستنتاج.
ومن المسلَّم به أن الأسلوب العدمى تستخدم فيه - أحيانًا - بعض مظاهر الأسلوب الأدبى - كالتشبيه والمجاز، ولكن معناه - والحالة هذه - يظل ذهنيًا رتيبًا.
يدل على حقائق جافة تخاطب العقل.
ليس للعاطفة شيها أدنى نصيب.
الكلمات في الأسلوب العلمي لا بدَّ أن تدل على معانيها الوضعية أو الاصطلاحية الفنية، ولهذا اشترط الناطقة تجريد الألفاظ من معاني المجاز وإبقاءها على معانيها الوضعية وعابوا على السوفسطائيين استخدامهم المجاز في القياس لأنه يؤدى إلى المغالطة في الاستنتاج.