إن السر البلاغي لهذا الحذف - فيما أرى - هو ضيق المقام، إذ المقام فى
الأولين وصف ما يعترى المحتضر من عوارض الموت.
وفي الثالث المقام مقام شكوى وندم.
وقد سوَّغت قوة القرينة الحذف في موضع آخر وهو قوله تعالى: (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ) . ففاعل"الظن"هو المحتضر إذ المقام يعنيه دون سواه، وقد
عبر عن شعور المحتضر بالظن دون اليقين. لأنه لا يعلم مجيء الأجل إلا الله وإن قويت علامات الموت عند الناس. فقد يتخلف ظنهم.
* موضعان آخران لحذف الفاعل في القرآن:
وفي القرآن الكريم موضعان آخران حُذِفَ فيهما الفاعل.
أحدهما - قوله تعالى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ(94) .
وقد اختُلفَ في الفاعل هنا فبعضهم يرى أنه:"بينكم"
ويقرأه حينئذ بالرفع بدل النصبَ على الظرفية المكانية، وعليه فلا حذف.
وبعضهم يرى: أن الفاعل محذوف تقديره الأمر - مثلًا - حذف لقوة إيحاء
الفعل به.
والموضع الثاني: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ(35) .
فالفاعل محذوف وهو المصدر المتصيد من الفعل، والتقدير: ثم
بدَا لَهم سجنه. وهذا أليق من تقديره: ثم بدا لهم البداء.
لأن الفعل المذكور:"ليسجننه"أقوى دلالة على الفاعل المحذوف.