أما تقديم"الذين آمنوا"فعلى ما يراه الإسكافي أنهم مؤمنو الأمم السابقة،
فتقديمهم من حيث أنهم أفضل هذه الأنواع، أما على ما يراه الزمخشري وغيره من المفسرين من أن المراد بهم"المنافقون"فهم وإن كانوا كفارًا من حيث الباطن فإن اطلاق وصف الإيمان عليهم في الظاهر جعلهم في المرتبة الأولى من الذكر لا باعتبار أنفسهم، ولكن باعتبار شرف الإيمان نفسه.
وهذا - أعنى رأى الزمخشري والمفسرين - أقوى من رأي الإسكافي.
بدليل نظمهم مع اليهود والنصارى والصابئين وغيرهم في سلك واحد، وأنهم - جميعًا - مطالبون بتحقيق الإيمان لعريهم عنه.
أما الخبر في آية الحج فمختلف عن هذين إذ هو: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(17) .
يفصل بينهم في الجزاء.
خيرًا وشَرًا، أو يفصل بينهم في المكان فلا يجمعهم في مكان واحد، وأيًّا كان
نوع الفصل. فهو لا يكون - كما صرَّحت الآية - إلا يوم القيامة، لذلك سلك في النظم وجهًا آخر.
فكأن القرآن نظر في سرد هذه الفرق إلى السبق الزمني. فاليهود وصابئوهم
سابقون زمنًا على النصارى. لذلك قَدَّم اليهود عاطفًا عليهم صابئيهم، ثم ذكر النصارى.
ولم يحتج لذكر صابئي النصارى اكتفاءً بذكر صابئي اليهود، كما لم يذكر
فى آية البقرة صابئي اليهود اكتفاءً بذكر صابئي النصارى. وكانت آية المائدة
وسطًا بين التعبيرين، وتلك - إذن - قسم عادلة!!.
أما تأخير المجوس والذين أشركوا عن هذه الفِرق. فلأنهم ليسوا أهل كتاب!