ومثل تقديم السمع على البصر - مما عنى به ابن الصائغ - فلكل من النظريتين مزايا وعيوب، ونحن في الكشف عن أسرار التقديم في القرآن الكريم محتاجون إلى النظريتين معًا. وإلى غير هاتين النظريتين، من كل ما يعيننا على فهم التقديم في القرآن الكريم.
هذا ما يمكن أن يقال عن نظريتى البلاغيين، وابن الصائغ.
ولنعرض الآن - في إيجاز أيضًا - كلا من نظرية ابن الأثير، ونظرية المفسربن في التقديم.
ثالثًا: منهج ابن الأثير في التقديم
يقسم ابن الأثير التقديم إلى قسمين:
الأول، وسماه: ما يختص بدلالة الألفاظ على المعاني.
ولو أخر المقدم، أو قدم المؤخر لتغير المعنى.
الثاني، وسماه: ما يختص بدرجة التقديم في الذكر. لاختصاصه بما يوجب
له ذلك.
والأول عنده نوعان:
أ - ما يكون التقديم فيه هو الأبلغ، كتقدم المفعول به على الفعل، وتقديم
الخبر على المبتدأ، وتقديم الظرف أو الحال أو الاستثناء على العامل.
وقد مثل لها بأمثلة مصنوعة، وهذا النوع يفيد عنده الاختصاص مرة، ومراعاة نظم الكلام مرة أخرى. وهو بهذا يرد على الزمخشري والبيانيين، حيث يجعلون التقديم في هذا النوع - بكل صوره، ومعهم الحق - مفيدًا للاختصاص:
ومراعاة نظم الكلام عنده أبلغ من الاختصاص وأوكد منه.