وهذا التوجيه على قراءة مَنْ بنى الفعل للفاعل.
وقد فات أبا السعود أن في الآية ثلاثة ظروف متجاورة لم يشر إلى سر ترتيبها، وهي:"له فيها بالغدو".
والذي يبدو أمام الباحث أن تقديم"له"على تالييه:"فيها بالغدو"لأن
الضمير المجرور وهو"الهاء"عائد على اسم الجلالة. فقدم إذن تعظيمًا له.
أما تقديم"فيها"فلأن الضمير المجرور، عائد على"المساجد"أو"البيوت"
وقد تقدم ذكرها في الكلام فكان تقديمها أولى من تقديم"بالغدو".
هذه مُثل من تفسير أبى السعود، عالج فيها التقديم بمنهج حر واسع النظرة
وتفسيره حافل بمثل هذه الصور وهو - كما رأينا - مولع بتقصى الأسرار التى يفيدها التقديم فتراه يثبت لك في الموضع الواحد سرًا أو سرين أو ثلاثة. وهذه طريقة جديرة بالتقدير لفهم أسرار الكتاب الكريم وفهم مقومات الجمال الفني فيه.
ثانيًا: من كشاف الزمخشري
لا فرق بين نظرة الزمخشري ونظرة أبى السعود في التقديم. فهما جميعًا
ينهلان من معين واحد. وأبرز ما يمتاز به منهجهما هو الحرية. وعمق النظرة.
وإن كان العلامة أبو السعود أرسخ قدمًا من الزمخشري في هذا المجال.
وقد سبق لنا أن وقفنا على شيء من توجيه الزمخشري للتقديم في قوله تعالى:
(وَلكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) .
ونذكر من كشافه نموذجًا آخر لمعالجته للتقديم في قوله تعالى:
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ(67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)