ولما كان العرض البيع"الهدى"ليس متعادلًا مع الثمن المبذول"الضلالة"
كانت التجارة خاسرة.
وفي إطلاق معنى"التجارة"عليه مجاز استعاري أيضًا لكنها استعارة
تصريحية أصلية لجريانها في غير المشتق.
وإسناد نفى الربح عنها مجاز عقلي حقيقته: فما ربحوا في تجارتهم. وسره
البلاغي أن إثبات الخسارة لتجارتهم مفيد لبطلانها أساسًا.
وإذا خسرت تجارتهم كانوا هم خاسرين من باب أولى.
فهذا المجاز حقق غرضين دفعة واحدة.
وفيه فوق ذلك تخييل لا تخفى عذوبته.
وإذا تأملنا صور المجاز في هذه الآية في مواطنه الثلاثة:"اشتروا"،
"ربحت"،"تجارة"، ثم الإسناد إلى ضميرها. .
وجدنا المجاز فيها يتضام ويتعانق في أُلفة وإخاء.
وللزمخشري إطراء رائع في هذا. . يقول فيه:
"فإن قلتَ: هَبْ أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازًا في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة. كأن ثمة مبايعة على الحقيقة؟."
قلتُ: هذا من الصنعة البديعية التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا.
وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات.
وإذا تلاحقن لم نر كلامًا أحسن منه ديباجة وأكثر ماءً ورونقًا وهو
المجاز المرشح. وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن في أذنى قلبه خطلا.
وأن جعلوه كالحمار. ثم رشحوا ذلك دومًا لتحقيق البلادة.
فادعوا لقلبه أذنين.
وادعوا لهما الخطل ليمثلوا البلادةَ تمثيلًا يلحقها ببلادةِ الحمار مشاهدة
ومعاينة"."