قال القفطي: وأنشدني أفضل الدين أميرك الزبياني له من قصيدة فيها:
إذا التحبت فيها ذلاذل ريح * يفوح كفوح المسك فاغم نشرها
مقيما على تلك الصبابة فوحي * يقول لها الطش السماوي والصبا
مناجم قيصوم منابت شيح * مضاجع سعدان مغارس حنوة
يجاوبه قمريها بمليح * اذا ملح المكاء رجع صغيره
على وتر للموصلي فصيح (32) * كأن بديحا والغريض تطارحا
(30) إنباه الرواة 3: 270.
(31) إنباه الرواة 3: 267.
(32) إنباه الرواة 3: 269.
عقيدته:
أطبقت المصادر التي تعرضت لترجمة المصنف أنه كان حنفي المذهب معتزلي العقيدة، ويقال انه لما صنف كتابه الكشاف استفتح الخطبة بالحمد لله الذي خلق القرآن. فقيل له: متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس فغيره بالذي أنزل القرآن، وقيل: هذا اصطلاح الناس لا اصطلاح المصنف (33) .
يقول فيه الذهبي: «صالح، لكنه داعية إلى الاعتزال، أجارنا الله، فكن حذرا من كشافه» (34) .
وقال ابن كثير «وكان يظهر مذهب الاعتزال، ويصرح بذلك في تفسيره ويناظر عليه» (35) .
ويظهر أن الزمخشري كان يعتد بما يذهب إليه كثيرا، فقد ذكر ابن العماد الحنبلي ما لفظه: «وكان الزمخشري معتزلي الاعتقاد متظاهرا به حتى نقل عنه أنه كان إذا قصد صاحبا له واستأذن عليه في الدخول، يقول لمن يأخذ له الاذن، قل له: أبوالقاسم المعتزلي بالباب» (36) .
إلا أن الامير محمد حسين الحسني الحسيني الاصفهاني ذهب ـ على ما نقله عنه صاحب الروضات ـ إلى أن الرجل تشيع في أواخر حياته، بدليل ما ورد في «ربيع الابرار» من نصوص تشعر بهذا المعنى، فقال: «فإنه لا ريب في كونه على مذهب أهل السنة والجماعة في مبادئ أمره، كما يفصح عنه تصفح الكشاف، فإنه سلك فيه مسلك الاعتساف في مسألة الامامة وما يتعلق بها، ولذلك أجمعت الامامية على كونه من العامة ولم يجوز أحد من العلماء استبصاره ورجوعه، ولكنه
(33) انظر مرآة الجنان لليافعي 3: 270.
(34) ميزان الاعتدال 4: 78.
(35) البداية والنهاية 12: 219.
(36) شذرات الذهب 4: 121.
لما اتفق لي مطالعة كتابه المسمى بـ «ربيع الابرار» وعثرت على كلام له صريح في التشيع لا يقبل التأويل ثم تصفحت وتفحصت فيه عما يؤكد ذلك فظفرت على غيره من الشواهد مما لا يجتمع مع قواعد العامة وتأويلاتهم من نحو ذكره لفضائل السيد الحميري وأشعاره الرائقة في فضائل أهل البيت عليهم السلام» (37) ثم ذكر عدة موارد من الكتاب تأكيدا لما يذهب إليه.
وعلق السيد الخوانساري على الابيات التي قالها في مدح آل النبي صلى الله عليه وآله قائلا: «وفيه أيضا من الدلالة على تشيع الرجل ـ ولو في آخر عمره ـ ما لا يخفى» (38) .
ولا نريد في هذه العجالة الخوض في لجج هذه المسألة، بقدر ما قصدنا الاشارة إليها.
وفاته:
توفي الزمخشري بعد رجوعه من مكة المكرمة ليلة عرفة من سنة 538 هـ في جرجانية خوارزم، وهي بضم الجيم الاولى وفتح الثانية وسكون الراء بينهما وبعد الالف نون مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها مفتوحة مشددة ثم هاء ساكنة، قال ياقوت: يقال لها بلغتهم كركانج، وقد عربت فقيل لها الجرجانية وهي على شاطئ جيجون.
وأوصى أن تكتب على لوح قبره هذه الابيات:
في ظلمة الليل البهيم الاليل * يا من يرى مد البعوض جناحها
والمخ في تلك العظام النحل * ويرى عروق نياطها في نحرها
ما كان منه في الزمان الاول * اغفر لعبد تاب من فرطاته
(37) روضات الجنات 8: 120.
(38) روضات الجنات 8: 127.
نحن والرسالة:
من الطريف أن كل من ترجم للزمخشري وذكر مصنفاته، لم يذكر رسالتنا هذه ولم يتعرض لها، مما يضفي على هذه الرسالة أهمية خاصة لا تخفى على ذوى الالباب، إلا أن هذه الحقيقة تفتح الابواب مشرعة أمام من يتسأل عن صحة نسبة الرسالة للزمخشري، وجوابنا هو ما يلي:
1 ـ إن اسلوب كتابة الرسالة من المتانة اللغوية والبلاغية بمكان، يكاد يقطع كل من يطالعها إلى أنها ترتقي بمستواها إلى اسلوب الزمخشري الرفيع.
2 ـ توجد هناك مجموعة من التعابير المجازية المستخدمة في الرسالة وجدتها بألفاظها ومعانيها في كتاب «أساس البلاغه» للزمخشري، وفي هذا من الدلالة ما لا يستهان به.
(يُتْبَعُ)