فسيبويه يرى قولك: (برجل أسد أبوه) أمرًا مختلفًا عن التشبيه لخلوه من ذكر أداة التشبيه، وملاحظة مجازية الإسناد إسناد صفة الأسدية إلى الأب، فكأنه يذهب به إلى الاستعارة، لكنه يرى في قول العرب (مثل الأسد أبوه) تشبيهًا لا استعارةً لقوة سلطان وسيلة التشبيه (مثل) ولا عبرة بمجازية الإسناد، فكأن أداة التشبيه تعد حدا فاصلًا بين التشبيه والاستعارة من جهة الصناعة، فإثباتها عنده تشبيه، وحذفها بمذهبه استعارة، ولا يأخذ بمقولة العرب: المقدر كالموجود على مذهب غيره من أهل العلم الذين لا يرون في غياب أداة التشبيه مشكلة تضر التشبيه، ولا يرى أن الاستعارة مجاز علاقته التشبيه. وما جئت به هنا هو استنباط من سياق الكلام وفحواه ومغزاه.
ومما كان من غير حد فقول ابن سلام الجمحي (- 231هـ) في امرئ القيس: (( واحتج لامرئ القيس من يقدمه ... وشبَّهَ النساَء بالظِّباء والبَيضِ، وشبه الخيلَ بالعقيان والعِصِيِّ، وقَيَّدَ الأَوَابِدَ، وأجاد التشبيه ... كان أحسن أهل طبقته تشبيهًا، وأحسن الإسلاميين تشبيهًا ذو الرُّمَّةِ .. ) ) [9]
فابن سلام يذكر أسباب تقديم امرئ القيس على أبناء طبقته الأولى في طبقات الجاهليين عند علماء البصرة [10] ومن يذهب مذهبهم من العرب، فقد جعلوا التشبيه سببًا من أسباب تقديم امرئ القيس على زهير والنابغة والأعشى، من غير أن يقدموا حدًا للتشبيه، بل ذهب هؤلاء إلى أن التشبيهات متفاوتة بينهم في الجود والحسن، فجعلوا تشبيهات امرئ القيس تبلغ من الحسن ما لم تبلغه تشبيهات شعراء طبقته الأولى، وجعلت تشبيهاته تزداد درجة في الحسن والجمال على تشبيهاتهم على حسنها، فكانت سببًا من أسباب تقديمه عليهم، وذهبوا إلى تفاوت التشبيهات في الجودة كما تفاوتت في الحسن على إيهام أن الترادف في المعنى بين الحسن والجودة، على أن الجودة شرط غير كافٍ من شروط الحسن، والعكس لا يصح.
فثمة إدراك للتشبيه في أشعار الطبقة، وإدراك لاشتراك أشعارهم بالجودة والحسن وتفاوتها في كل منهما؛ مما يدعو إلى ترتيب شعرائها في طبقتهم بمقياس التشبيه في حسنه وجودته؛ فيعلو الشاعر بعلو تشبيهاته حسنًا وجودة، ويدنو بدنوها من هاتين الجهتين. وسنعالج موضوع مقاييس الحسن [11] والجودة [12] من بعد.
وأما ماكان بحدٍ للتشبيه فمنه قول ابن رشيق القيرواني (- 456هـ) : (( التشبيه صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة أو جهات كثيرة، لا من جميع جهاته؛ لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إياه. ألا ترى أن قولهم: خد كالورد إنما أرادوا حمرة أوراق الورد وطراوتها، لا ما سوى ذلك من صفرة وسطه، وخضرة كمائمه .. ) ) [13]
فالتشبيه عند ابن رشيق مقاربة بين شيئين في صفة أو أكثر، أو مشاكلة (تقاطع على جهة الوفاق بين شيئين في صفة أو أكثر) والتشبيه لا ينبغي له أن يكون من جميع الجهات (لا من جميع جهاته) لأنه لو ناسبه مناسبة كلية كان إياه على نحو ما يقول ابن رشيق.
إن ابن رشيق جعل حذره من المطابقة جزءًا من حد التشبيه، فهو عنده مقاربة بين شيئين ومشاكلة بينهما، ذلك أن القرب يكون بغير تماس، ويكون بالمشاكلة أي التماس، ولو وقف عند لكان خيرًا له ولنا، فلما أبرز حذره صراحة (والتشبيه لا ينبغي له أن يكون من جميع الجهات) فقد نبه المتلقين إلى أن يرى فاتحة التشبيه على اشتراك في الصفة نوعًا ومقدار، فخشي أن تتم من جميع الجهات فيكون الجهتان الشيئان المتشابهان شيئًا واحد، وهذا محض وهم ذلك أن التشابه في الصفة ليس في الدرجة والمقدار بل في بعض كل منهما، ولو تشابها من جميع الجهات فلن تلغي ذات ذاتًا؛ لأن المشابهة ليست في الصفة تامة بل في بعضها، وليست في مقدارها كله بل في بعضه دون سائره. ومن تعاريف التشبيه قول الطيبي شرف الدين الحسين بن محمد بن عبد الله (- 743هـ) : (( وهو وصف الشيء بمشاركته الآخر في معنى، وهو يستدعي خمسة أشياء: الطرفين ليحصل، والوجه ليجمع، والغرض ليصح، والأحوال ليحسن، والأداة لتوصل. ) ) [14]
(يُتْبَعُ)