فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 735

أمسك، فسألته عن غيرها، وعن غيرها، وافترقنا، فلما كان الغد اجتمعت معه عند أبى العباس، وقد أحضر جماعة من أصحابه، فسألونى فلم أر فيهم طائلا، فلما انقضى سؤالهم قلت لأكبرهم: كيف تبنى من سفرجل مثل عنكبوت؟ فأجابه مسرعا: سفر روت، فلما سمعت ذلك قمت في المسجد قائما وصفقت بين الجماعة: سفر روت سفر روت!! فالتفت إليهم أبو بكر وقال: «لا أحسن الله جزاءكم، ولا أكثر في الناس أمثالكم [1] خجلا مما جرى، واستحياء من أبى على [2] وافترقنا فكان آخر العهد بهم [3] ، وهذه الحكاية إلى جانب ما استشهدت بها عليه تدل على براعة أبى على في التصريف، وتنقله في مجالس العلم، ومناصرته أهله من الشيوخ، ونابغى الطلاب فها أنت ذا ترى أنه يكلم ابن الخياط إلى أن يمسك، وأنه يقبل على أكبر طلابه سنا، وأرجحهم عقلا، وأوسعهم علما عند نفسه، فيلقى عليه هذه المسألة الصرفية التى يجيب عنها إجابة تخجل أبا بكر بن الخياط، وتبعث في نفسه الاستحياء من أبى على، ثم يكون الافتراق بين الرجلين الذى لا لقاء بعده.

وهكذا يرتفع أبو على عن طبقة شيوخه الذين تلقى عنهم، فيتعرض للزجاج في كتابه الاغفال، ويعرض احتجاجه للقرآن جنبا إلى جنب احتجاج شيخه أبى بكر ابن السراج على النحو الذى عرضت له في مكان آخر من ذلك البحث، ويتحدث في بعض كتبه أن شيوخه كانوا يسألونه [4] . ويتعرض لابن دريد بقوله: «وقد كان شيخ من أهل اللغة وزن هذه الكلمة يستعور بيفتعول حتى نبه عليه، وله فيما كان أملاه من الأبنية حروف كثيرة تحتاج إلى إصلاح» [5] وبهذا يرتفع أبو على عن شيوخه المعاصرين، ويعلو باسناده إلى المصادر الأولى [6] .

وقد بينت في حديثى عن ثقافة أبى على انتفاعه بالشيوخ القدامى أمثال الاصمعى وأبى عبيدة، وأبى عثمان المازنى، وأحمد بن يحيى ثعلب، كما أوردت في غضون عرضى لمسائله مهاجمة القراء، والكسائى، والمبرد ثم ثعلب حينا، ورأيت أبا على لم يكن يعجبه نقل اللحيانى [7] . كما رأيته يهاجم ابن السكيت (هو أبو يوسف يعقوب ابن

(1) الخصائص: 2/ 594وما بعدها 274نحو تيمور.

(2) معجم الأدباء: 7/ 235.

(3) الخصائص: 2/ 595.

(4) انظر الحجة: 1/ 326مراد ملا.

(5) البغداديات: لوحة رقم 4.

(6) انظر طبقات الزبيدى: 127.

(7) المخصص: 3/ 146، 4/ 44، 14/ 232 وهو على بن حازم اللحياني، انظر نزهة الألباء: 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت