ومن التوافق الملحوظ أن ينفرد حفص بالنصب، ويقرأ الباقون من العشرة بالرفع [1] . تماما كما في قوله تعالى: {قََالُوا مَعْذِرَةً إِلى ََ رَبِّكُمْ»} .
(ج) وأحيانا يجوز قراءة لم ترد عن واحد من القراء العشرة، فقد جوز الرفع والنصب في «جواب» من قوله تعالى: { «فَمََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ إِلََّا أَنْ قََالُوا» } *
إذ يقول: في تأويل النصب أن محمولة على كان كأنه قال: «فما كان جواب قومه إلا قول كذا وكذا» ، ثم قال: وإن شئت رفعت الجواب، فكانت إن منصوبة [2] . وقد فهمت تجويزه الأمرين في مساواة من قوله مخيرا: «وإن شئت» ثم رجعت إلى كتاب النشر فلم أجد الرفع في القراءات العشر [3] . وهذا دليل عندى على أن أئمة القراء لا تعمل في شىء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل والرواية [4] . ومن هذا القبيل أى من تحكيم القياس ومجانبة العمل بالأثر أن يقول سيبويه مثلا:
ولو قرئ بكذا كان جيدا، كما ذكر في قوله تعالى: { «وَأَنَّ الْمَسََاجِدَ لِلََّهِ فَلََا تَدْعُوا مَعَ اللََّهِ أَحَدًا» } [5] .
(د) وأحيانا يجوّد قراءة مشهورة، ويجوز وجها غير مقروء به كأن يقول فى: { «وَأَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ» } ، النصب عربى كثير، والرفع أجود [6] .
ومن التخالف الذى لم أستطع تفسيره، أنه مع تحكيمه القياس، ومجانبة العمل بالأثر في ظاهر أمره وتخريجه يقول: «القراءة لا تخالف لأنها سنة! [7] » ولا زلت ألتمس تعليلا لهذين الموقفين المتناقضين، أو أرجو توفيقا بينهما.
فهل كان سيبويه يتخير القراءات على مذاهب العربية؟
هذا هو ما أميل إليه وأرجحه، وليس سيبويه في ذلك نسج وحده بل إنّ أستاذه عيسى بن عمر له اختيار في القراءة على مذاهب العربية كذلك [7] .
(هـ) وهو يكتفى بالإشارة إلى أن الآية قرئت على وجه من وجوه الإعراب دون اهتمام في الأعم الأغلب بذكر القارئ مما يدل على أن المهم عنده أن يحتج للوجه الذى قرئت به الآية، ولا يهمه أن يحتج للقارئ فيما ذهب إليه.
(1) النشر ج 2ص 390.
(2) ج 1ص 476.
(3) ج 2/ 348.
(4) منجد المقرئين: 56.
(5) ج 1ص 74.
(6) المصدر السابق: 42، 74.
(7) طبقات القراء لابن الجزرى: ج 1/ 613.