وما لى أذهب بعيدا، وهذا أبو على صريح في نصه الآتى على أنه صدر في كتاب الحجة عن نزعة الحفاظ على كتاب الله، ودفع ما قد يتوهم من اللحن في قراءاته، فبعد أن احتج لقراءة حمزة: ومكر السيئ وإسكانه الهمزة في الادراج، وبنى احتجاجه على إجرائهم الوصل مجرى الوقف كما في قولهم هذا أفعويا هذا قال «فإذا ساغ ما ذكر في هذه القراءة من التأويل لم يسغ لقائله أن يقول: «إنه لحن» ألا ترى أن العرب قد استعملت ما في قياس ذلك؟ فلو جاز لقائل أن يقول إنه لحن لزمه أن يقول: إن قول من قال أفعو في الوصل لحن، فإذا كان ما قرأ به على قياس ما استعملوه في كلامهم المنشور لم يكن لحنا، وإذا لم يكن لحنا لم يكن لقادح بذلك قدح.
ثم قال: «وهذه القراءة وإن كان لها مخلص من الطعن فالوجه قراءة الحرف على ما عليه الجمهور في الدرج [1] .
ومما يؤكد هذه النزعة من أبى على عندى أنه يقف هذا الموقف مع حمزة وهو من الأئمة الكوفيين، ثم تدعو البصرية أبا على إلى ترجيح القراءة بما عليه الجمهور وإن كانت قراءة حمزة خالصة من الطعن لجريانها على ما استعمله العرب في نثرهم.
وسبب رابع: يؤيد ما سبق: هو أن المحتجين في العهد الأول للقراءات بصريون: فأبو طاهر البزار بصرى [2] ، والنقاش الأنصارى بصرى [3] ، وكل من ابن السراج [4] ، وأبى على الفارسى [5] . وابن جنى بصرى كذلك، والبصرة كما تعلم متأثرة بالمذاهب الفلسفية، وما شاع في سكانها من مسائل المنطق [6] ، ومن أجل ذلك ألف قطرب (206هـ) كتاب الرد على الملحدين في متشابه القرآن [7] أو فيما سأل عنه الملحدون من آى القرآن [8] ، وألف ابن درستويه كتاب الاحتجاج للقراء، وهو كما يقول ابن النديم في الفهرست يتعصب للبصريين عصبية شديدة [9] .
وقد قدر الخاصة المثقفون، والعلماء البصيرون عمل هؤلاء الأئمة المحتجين، فهذا
(1) الحجة: 6/ 190ن البلدية.
(2) الفهرست: 48.
(3) الفهرست: 50.
(4) الفهرست: 92.
(5) الفهرست: 95.
(6) تاريخ الفلسفة: 49.
(7) الفهرست: 79.
(8) نفس المصدر: 57.
(9) الفهرست: 13.