أبو العلاء المعرى ينصف أبا على الفارسى في رسالة الغفران، وقد اجتمع عليه قوم في الآخرة، يتمرسون به ويطالبونه فيأمرهم أبو العلاء أن يكفوا عنه فلا يعنتوه لأنه يمتّ بكتابه في القرآن المعروف بكتاب الحجة [1] .
هذه الأسباب العامة بجانبها أسباب خاصة بأبى على دفعته إلى الاحتجاج للقراءات:
فالرجل عالم بالكتاب أولا [2] . قارئ على أبى بكر بن مجاهد [3] . الذى سبع السبعة ثانيا [4] . مقتف أثر أستاذه أبى بكر محمد بن السرى في الاحتجاج لسبع ابن مجاهد ثالثا [5] . ثم هو أخيرا أوتى ضلاعة في اللغة، والنحو، وتوجيه المعنى، والإعراب، وتمرس برواية الأحاديث، وراعة في القياس، وألم في كتبه السابقة للحجة بطائفة من الآيات القرآنية وجّه القراءات المختلفة فيها، فكانت هذه الأسباب مجتمعة داعية لأبى على أن يحتج للقراءات بدل أن تكون مفرقة في كتبه هنا وهناك [6] :
وحكم النظر والقياس دفاعا عن القرآن، ودفعا للمفترين من المجوس والنصارى واليهود الذين سكنوا فارس [7] الذى نشأ به وعاش الشطر الأكبر من حياته فيه.
وأبو على قصير النفس في تقديم الحجة ولكنه مع ذلك يجمل منهجه في الكتاب ويبين الأسباب التى دعته إلى تأليفه في إيجاز، فبعد أن حمد الله، وصلى على خاتم النبيين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسائر الصالحين قال:
«أما بعد (أطال الله بقاء الأمير الجليل عضد الدولة وتاج الملة وأدام له العزة والبسطة، وأمدّه بالتوفيق والتسديد، وأيده بالنصر والتمكين) فإن هذا كتاب نذكر فيه وجوه قراءات القراء الذين ثبتت قراءتهم في كتاب أبى بكر أحمد بن موسى ابن العباس بن مجاهد (رحمه الله) المترجم بمعرفة قراءات أهل الأمصار بالحجاز
(1) رسالة الغفران: 154.
(2) الإمتاع والمؤانسة: 1/ 131.
(3) انظر طبقات القراء: 1/ 207.
(4) المصدر السابق: 1/ 129.
(5) لوحة 2.
(6) انظر المسائل المنثورة لوحة: 153، 159، والشيرازيات: لوحة 18والعسكريات 135ثم الايضاح: 34، 43، 66فى توجيهه على التوالى: فما كان جواب قومه إلا أن قالوا بالرفع والنصب (الايضاح 34) وما هو على الغيب بظنين أو بضنين في باب ظن (43الايضاح) لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر الإيضاح: 66نحو 112.
(7) أحسن التقاسيم 439.