فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 735

ذلكم نهج أبى على في الحجة، وهو نهج فيه ثقافة عربية عالية، ومعرض لعقلية

أبى على وشخصيته، ولكنه معرض مرهق، وميدان، يجهد من يطوف به أو يسير فيه:

مرهق بذلك الاستطراد الذى يسلمك من موضوع إلى موضوع حتى ليغيب عنك الموضوع الأصلى الذى عقد من أجله الحديث، وقد كنت في أغلب الأحيان أود التعرف على حجته لقراءة من القراءات فلا يتيسر لى ذلك إلا بعد عناء، ومرور بما قال في الآية من مسائل نحوية، ولغوية، وصرفية، وكثير منها لا يتصل إلا اتصالا خفيا من بعيد، ولولا الاستطراد ما وردت هذه المسائل في مواضعها من الكتاب.

ومجهد بحشده الآراء المختلفة للنحاة الذين سبقوه، ومناقشة كل رأى مناقشة تقوم على مزج مسائل النحو بمسائل المنطق في عسر، وإرهاق، وتعقيد في التعبير.

والقارئ لحجة أبى على لا بد أن يكون متأنيا واعيا لأن الشيخ يكتب بعقله، يقايس ويناظر، ويعلل حتى يثقب الخردل، ويدلل، ويستطرد حتى لكأنه يشقق الشعرة ولكل كلمة موضعها، ولها ميزانها.

وتتخلل كتاب الحجة فلا تجد من كلام الشيخ إلا القليل، والكثير نقول من كلام الله، والشعراء، ونصوص من كتب النحاة وبخاصة سيبويه وشواهد نظمها نظما عجيبا، وقرن بينها في ترابط وتداع، واستغل كل أولئك فيما هو بصدده من من حديث، فبدت هذه النقول جميعا وحدة متماسكة يشد بعضها بعضا، أو يناظر بعضها بعضا، أو يتخالف بعضها مع بعض. وهى في تناظرها وتخالفها وتآلفها كالبنيان المرصوص.

فإذا أردت التعليل لنزعة الاستطراد عند أبى على وجدت من أسبابها:

(أولا) : ما شاع في كتب المشتغلين بالعلم في هذا الزمان الذى عاش فيه أبو على، والذى سبقه من لدن الجاحظ، وابن قتيبة، إلى أبى حيان التوحيدى المعاصر لأبى على.

ومما لا شك فيه أن كتب الجاحظ كانت شائعة متداولة زمن الفارسى، ونجد ابن جنى في الخصائص يناقش الجاحظ [1] . وهذا عبد الله بن حمود أبو محمد الزبيدى

(1) الخصائص: 1/ 192، 197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت