فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 735

عند خوف الزيغ، والذهاب عن الهدى، وما يستحق به الوعيد، فتوجل القلوب لذلك فكل واحدة من الحالين غير صاحبتها، فليس هنا إذا تضاد ولا تدافع، وهذان المعنيان المفترقان في هاتين الآيتين قد اجتمعا في آية واحدة وهى قوله: { «تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ََ ذِكْرِ اللََّهِ ذََلِكَ هُدَى اللََّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشََاءُ» } لأن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم، ووثقوا به فانتفى عنهم الشك والارتياب الذى يعرض لمن كان خلافهم ممن أظهر الإسلام تعودا فحصل له حكمه دون العلم الموجب لثلج الصدور، وانتفاء الريب والشك [1]

وأراه بهذا التدليل النقلى، والمنطقى يصدر عن نزعة الدفاع عن كتاب الله، ودفع ما يلقى به الكائدون من شبهة التدافع والتضاد، وهى النزعة التى انتهيت إلى أنه صدر عنها في كتابه الحجة، وكانت سببا دفعته إلى تأليفه.

وأقرأ حديثه كذلك في تفسيره { «يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ» } بيوم التلاقى، ودفعه ما يوهم التضاد بين المعنى الذى ذكره في هذه الآية وقوله تعالى: { «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ» } [2]

هذه أمثلة لبيان هذه الطريقة التى سلكها أبو على في تفسير القرآن بالقرآن ومظاهرها المختلفة ومما يتصل بها:

(2) تفسير القرآن بقراءة أخرى: وقد كان ابن عباس يفسر القرآن ويستدل بقراءة على قراءة، قال في قوله تعالى: «ننشرها ثم نكسوها لحما» [3] : إنشارها إحياؤها، واحتج بقوله تعالى: { «ثُمَّ إِذََا شََاءَ أَنْشَرَهُ» } وقد سلك أبو على هذه السبيل حيث يقول: مثلا

فأما قوله: { «هََذََا كِتََابُنََا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ» } فهو في المعنى كقوله: { «مََا لِهََذَا الْكِتََابِ لََا يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَلََا كَبِيرَةً إِلََّا أَحْصََاهََا» } ، وقوله: { «وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنََاهُ كِتََابًا» } أى كل شىء من أعمالهم كما قال: { «وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ» } وقال: { «أَحْصََاهُ اللََّهُ وَنَسُوهُ» } وقال: { «وَكُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيََامَةِ كِتََابًا يَلْقََاهُ مَنْشُورًا» } وقال: (وهنا موضع الشاهد)

(1) المصدر السابق: 1/ 152.

(2) الحجة: 2/ 25وما بعدها ن البلدية 1/ 320نسخة مراد ملا.

(3) معاني القرآن للفراء: 137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت