ويجدر بى وأنا أتحدث هنا عن القياس أن أذكر الرأى في أمر فهمه الأستاذ أحمد أمين على غير وجهه، وقرره في بحث ألقاه على مؤتمر المجمع، وناقش المؤتمرون هذا الرأى دون أن يفطنوا إلى الحقيقة فيه، وتناقل العلماء في كتبهم ما انتهى إليه الأستاذ أحمد أمين خطأ عن رأى أبى على في القياس. والدراسة الفاحصة تقضى بالرجوع إلى كتب أبى على، والاتصال بنصوصه فيها، حتى نظفر بنتائج صحيحة، ويستقيم لنا الحكم على أبى على ونظرته في القياس، وتقويم الرأى فيه:
فماذا قال الأستاذ أحمد أمين؟
ألقى الأستاذ بحثا بعنوان مدرسة القياس في اللغة «فى الجلسة التاسعة من جلسات مؤتمر المجمع في دورته الخامسة عشرة» .
قسم الأستاذ المشتغلين بالعلم ومنهم اللغويون والنحاة إلى أحرار، وهم الذين يقيسون ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص ومحافظين يلتزمون ما ورد في اللغة، ولا يخرج منه بحال من الأحوال [1] ، وقرر أن من اللغويين المحافظين الذين وقفوا عند ما ورد الأصمعى وابن الأعرابى، وأبا زيد، واستدل على محافظتهم بأنهم لم يكونوا يستبيحون لأنفسهم أن يقولوا كلمة، أو يشتقوا اشتقاقا إلا عن سماع، وكذلك جعل منهم أصحاب المعاجم كالجوهرى، والقيروزآبادي، وابن منظور لأنهم لم يقيسوا على ما رووا [2] .
ثم جعل بجانب هؤلاء قلة من القياسيين ممثلة في أبى على الفارسى، وتلميذه ابن جنى، واستدل المرحوم أحمد أمين على قياسية أبى على فنسب إليه العبارة الآتية:
«ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب» [3] ، وقوله: «لأن أخطئ في خمسين مسألة بما به الرواية أحب إلى من أن أخطئ في مسألة واحدة قياسية» ، وقول أحد تلاميذه: أحسب أن أبا على قد خطر له، وانتزع من علل هذا العلم ثلث ما وقع لجميع أصحابنا [4] .
(1) انظر محضر الجلسة التاسعة من الدورة الخامسة عشرة ص (2) .
(2) انظر نهاية ص 4من المحضر المذكور.
(3) قائل هذه العبارة أبو عثمان المازني «ت 247هـ» لا أبو على انظر الخصائص: 1/ 362 (والاقتراح: 26) .
(4) يبدو واضحا اعتماد الدكتور إبراهيم أنيس على هذه المحاضرة في كلامه عن القياس:
قابل ص 20من أسرار اللغة وص 4، 5من محاضرة الدكتور أحمد أمين. ومن هنا اكتفى بمناقشة الدكتور أحمد أمين ففي ذلك غناء عن مناقشة من نقل عنه.