رابعها: السماع مقدم على القياس، وترك السماع للقياس خطأ فاحش، ولا يلجأ إلى القياس إلا إذا عدم السماع.
خامسها: الغرض من القياس تمكين غير العربى من النطق بما نطق به أهل العربية، وتسويته في الفصاحة بأهلها، وذلك لا يكون إلا بالقياس على المسموعات المطردة في الاستعمال.
وسادسها: أن أبا على يقف موقفا وسطا بين المحافظين والمجددين، بل كان محافظا في تجديده، فالقياس في اللغة أمر دعت إليه الحاجة فيؤخذ به على مقدارها [1] ، ومن هنا توسط في القياس، فرأى أن ما لم يسمع لا يقاس عليه حتى ولو كان المقيس عليه كثيرا شائعا، وهذه نظرة محافظة، فالقياس عنده على المسموع الوارد، لا على الذى لم يرد. ثم هو بعد ذلك يرى اللجوء إلى القياس إذا عدم السماع، فإذا جاءت الرواية لم يرد بالقياس [2] ، وهناك فريق أفسح طريق القياس، ووسع ميدانه على وجه لم يقره أبو على ومن هؤلاء المبرد، فقد رأى سيبويه أن أما في قول الشاعر:
«أيا خراشة أما أنت ذا نفر» لا يذكر بعدها الفعل المضمر لأنه من المضمر المتروك اظهاره حتى صار ساقطا بمنزلة تركهم ذلك في النداء [3] . وجوز أبو العباس المبرد في القياس وقوع الفعل بعد أن، ولم ير ذلك ممتنعا، وتعقبه أبو على في البغداديات فقال:
«فأما ما ذكر أبو العباس في الرد من أنه لا يرى وقوع الفعل بعد أن هذه ممتنعا، وأنه جائز عنده في القياس فكالمغالطة، ألا ترى أنه قد يجوز في القياس أشياء كثيرة لا يجيء به الاستعمال وكذلك إظهار الفعل في هذا الموضع لا يجوز لشذوذه عن عن الاستعمال، وإن أجازه القياس ثم كرر رأيه الذى ذكره في الحلبيات من أن العلل إنما تستخرج، وتوضع بعد سماع الشيء واطراده في الاستعمال ليوصل إلى النطق بالشىء على حسب ما نطق به أهل اللغة، فإذا أدى إلى خلافه، وجب أن يشذ ويطرح، فحكم السماع في أن يتقدم القياس، فإذا لم يتقدمه فلا موضع للقياس وقرر بعد ذلك أنه لا يقاس على الشاذ في قوله:
(1) انظر القياس في اللغة للأستاذ محمد الخضر حسين (رحمه الله) : 52.
(2) الحجة: 1/ 363مراد ملا.
(3) انظر الكتاب: 148.