4 -أن مسلكه في ذلك مسلك القياس والنظر لا مسلك الرواية والأثر.
تقويم مذهب أبى على:
أحكام الحسن وأمثاله لا ضير فيها، ولا حرج منها، ففي النشر لابن الجزرى مثل هذه الأحكام، فإذا توافق قياس العربية مع القراءة المروية كان ذلك حسنا [1]
ولا يدعى القراء أن كل ما في القراءات من الفصاحة على أرفع الدرجات [2]
لكن الأمر الذى لا يفهم ما يصدره أبو على وغيره من البصريين، ومن لف لفهم من أحكام القبح على قراءة ثبتت بالرواية، وصحت بالسند، وأن قراءة من هذه القراءة لحن لا تحل القراءة بها [3] لأنها لم توافق مذاهب النحاة. والوضع مقلوب بمسلك أبى على فالقراءة يحتج بها على قواعد النحاة ومقاييسهم، لا أن تجرى مقاييس اللغة على ما روى من القراءات. إذا سمع عن العربى أخذ بما قال، وإذا قرأ القارئ بقراءة صحيحة متصلة السند بالرسول ردت لأنها لم تسمع عن العرب؟
وهل استقصى الرواة كل ما نطق العرب به؟ إن شيئا من ذلك ما كان! وقد كان الأئمة السابقون من متقدمى أهل العربية ينكرون على القارئ قراءته ويلحنونه لأنهم لم يعرفوا لها وجها من كلام العرب، حتى إذا عرفوا وجهها أقروها: حكى أبو زيد أنه سمع عمرو بن عبيد يقرأ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جأن «قال أبو زيد:» فخلته وقد لحن حتى سمعت العرب بعد ذلك تقول دأبه وشأبه فعلمت أن عمرا لم يلحن [4] .
وهذه الحكاية مع دلالتها على مذهب النحاة في تقديم ما يرويه العرب على ما يقرأ به القراء تشير إلى أن كلام العرب لم يتقصّ كله كما تدل على صحة ما رواه القراء، ومن المحال أن يصح في القراءات ما لا يسوغ في العربية [5] .
هذا إلى أن من لحنت قراءتهم كانوا موثقين: فقد أطلق على حمزة حبر القرآن [6] .
وكان شعيب بن حرب يقول: «ألا تسألوننى عن الدر يعنى قراءة حمزة [7] .
(1) النشر: 1/ 432.
(2) انظر منجد المقرئين: 65.
(3) انظر إعراب القرآن للنحاس: 360.
(4) البصريات لوحة: 58والشيرازيات: 153.
(5) النشر: 1/ 429.
(6) طبقات القراء: 1/ 263.
(7) معجم الأدباء: 10/ 292.