ويظهر أن أبا عبيدة قد تناولته ألسنة كثيرة بعدم التوثيق [1] ، فربما كان الدافع للفراء ما في الرجل من شخصيته، لا مذهبه في بصيرته.
وقد اتخذ موقف الفراء من رسم المصحف، والاعتماد عليه في الاحتجاج مظاهر مختلفة ألخص معالمها الكبرى في النقاط الآتية:
(ا) فهو حينا يعلل لرسم كتاب المصاحف «بسم الله الرحمن الرحيم» من غير ألف، ورسمهم: فسبح باسم ربك العظيم بألف [2] .
(ب) وقد تكون القراءة صحيحة خالفت رسم المصحف المخالفة الجائزة على النحو الذى بينته في فصل سابق فيحتج لها الفراء [3] .
(ج) وقد يرتضى القراءة الشاذة التى تجوزها العربية وإن كانت مخالفة للرسم [4] .
(د) وقد ينفى شهوته (كذا) قراءة صحيحة لأنها مخالفة للرسم [5] .
(هـ) ويحتج لرجوع الكسائى عن قراءة إلى أخرى بموافقتها قراءة العامة، والكتاب [6] .
* * * وهو كما ترى اتجاه لا يخضع لنظام معين، أو نظرة مطردة، إذ هو حينا يرتضى ما يخالف الرسم، وأحيانا يشير إلى موافقة الكتاب فيحتج برسمه.
على أن الاتجاه في أغلبه يدل على أنه معتد بالرسم إذا وجد له وجها من كلام العرب [7] وذلك يجعله بين أهل الأثر، ويبعده عن أصحاب القياس والنظر.
* * * هذا والمترجمون للفراء يقولون: «أنه كان يتفلسف في تصانيفه» [8] ، ولعل صحبته لثمامة بن الأشرس أثرت في ذلك [9] ، وقد ألف الفراء كتاب «الحدود» ولا أستطيع أن أحكم على أسلوبه فيه لأنى لم أطلع عليه، إلا أن اسمه يوحى بمنطق،
(1) طبقات انظر الزبيدى: 192.
(2) ص 2.
(3) معانى القرآن: 88.
(4) معانى القرآن: 96.
(5) معاني القرآن: 125.
(6) معاني القرآن: 202.
(7) الصاحبى: 11.
(8) بغية الوعاة: 411.
(9) نزهة الألباء: 68.