فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 735

وهكذا كان ولع الزجاج بالاشتقاق، وقد وجه حمزة بن الحسن الأصبهانى في كتابه الموازنة نقدا لاذعا إلى أبى إسحاق حيث قال: «كان الزجاج يزعم أن كل لفظتين اتفقتا ببعض الحروف وإن نقص حروف إحداهما عن حروف الأخرى فان احداهما مشتقة من الأخرى [1] ، فيقول: «الرجل مشتق من الرجل، والثور إنما يسمى ثورا لأنه يثير الأرض، والثوب إنما سمى ثوبا لأنه ثاب لباسا بعد أن كان غزلا (حسيبه [2] الله!) ، ثم أورد حمزة سؤال يحيى بن على بن يحيى المنجم الزجاج عن الاشتقاق للجرجير ولم سمى الحبل جريرا، وتعليل تسمية الجرة والمجرة، والجرجور وقد ناقشة يحيى بن على في تعليله تسمية الفصيل المجر الذى يشق طرف لسانه لئلا يرتضع أمه بقوله أى الزجاج «لأنهم جروا لسانه حتى قطعوه» فقال يحيى ينقض عليه: «فان جروا أذنيه فقطعوهما تسميه مجرا؟

قال الزجاج: لا يجوز ذلك! قال يحيى بعد أن رمى الزجاج بمناقضة العلة التى أتى بها:

«ومن لم يدر أن هذا مناقضة فلا حس له [3] » وهكذا رمى الزجاج بهذه النكراء.

ويظهر أن الزجاج قد اشتهر بهذا المذهب شهرة تجعله يجادل فيه، ويسأل عنه، ثم يكون موضع المفاكهة والتندر: حكى ابن العلاف الشاعر: «يلزمه أن يقول

والدب مشتق من الدب، والعذب من الشراب مشتق من العذاب، والخريف من الخروف والخنفساء من والخنثى من الأنثى والمخنث من المؤنث

(ضرط ابليس على ذا من أدب [4] !!)

والحق أن خصوم الزجاج غالوا في مهاجمته على النحو الذى ترى، وعندى أن الزجاج على صحة من المذهب في بعض ما رأى، لكن لا على أن يمعن ويتعمل،

(1) المراد من الاشتقاق هنا مجرد الأخذ كما نص على ذلك المحقق لمعجم الأدباء.

(2) معجم الأدباء: 1/ 144.

(3) معجم الادباء: 2/ 146.

(4) معجم الادباء: 1/ 147.

حاشية: وقد بقيت أثارة من هذا التندر في أهل زماننا هذا، سمعت بعض المشتغلين بالعلم يقول: «ان كادر الموظفين مشتق من الكدر» وما أبعد ما اشتقوا: لفظا أعجميا من آخر عربى، ويظهر أن شيئا من ذلك كان عند الاقدمين، فقد نبه ابن السراج في رسالته عليه، وحذر إياه حيث يقول: «مما ينبغي أن يحذر كل الحذر أن يشتق من لغة العجم، فيكون بمنزلة من ادعى أن الطير ولد الحوت» (المزهر للسيوطى: 1/ 205ط صبيح) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت