ويتلمس العلاقة البعيدة في اشتقاق كلمة، وارتباط معنى بمعنى، فهذا يرمى به إلى جانب من التكلف يؤدى به إلى خطأ وانتقاض كانا موضع التعقب والتندر والتهجم من الخصوم.
* * * وإذ قد قومت مذهب الزجاج في الاشتقاق، وذكرت موقف القدامى منه، وقلت كلمة الإنصاف في هؤلاء وهؤلاء، أود أن أذكر الأسباب التى أراها دعت الزجاج إلى انفراده بما انفرد من الامعان في الاشتقاق، والتكلم فيه على هذه الصورة الواسعة:
ربما كان الباعث على هذا المذهب عند الزجاج أنه كان ضعيف العلم باللغة [1]
فأراد أن يستر ضعفه، وأن يستوعب معانيها على هذا الوجه المقرب، بايجاد هذه العلاقات والترابط بين الألفاظ والمعانى، وهو أسلوب يأخذ به طلاب العلم أنفسهم لحفظ ما يحصلون، ويصطنعها بعض المعلمين لتقريب ما يلقون إلى من يعلمون، وقد كان الزجاج معلما لأولاد بنى مارقة [2] ثم ولد عبيد الله بن سليمان [3] .
على أن شيئا من ذلك يتصل فيما بدا في بصناعته الأولى، حيث كان يخرط الزجاج [4] ، وما يلازم هذه الصناعة من أخذ شىء من شىء، واشتقاق فروع يشكلها من أصول، والمرء مشدود إلى بيئته يشير إليها، وتدل عليه، وتعمل عملها في حديثه وتصرفه حتى لا فكاك له من ذلك، لا سيما إذا علمنا أن الزجاج جمع بين خراطة الزجاج، وتلقى العلم في وقت واحد، يأخذ من الأولى ليرد على أستاذه المبرد ما وعده به أن يعطيه كل يوم درهما [5] .
ولا يدفع بعض هذه التعليلات ما كان من مؤلفات في الاشتقاق للأئمة السابقين كالأخفش [6] ، والأصمعى [7] ، وأحمد بن حاتم [8] ، والمبرد شيخ الزجاج [9] ،
(1) الفهرست: 90.
(2) معجم الادباء: 1/ 131.
(3) الفهرست: 90.
(4) وفيات الأعيان: 1/ 32.
(5) تاريخ بغداد: 6/ 90، نزهة الألباء: 166، ومعجم الادباء: 1/ 1.
(6) الفهرست: 78.
(7) المصدر السابق: 81.
(9) الفهرست: 88.