ابن يحيى ثعلب يحتج فيها للكسائى، وهذا الى جانب دلالته على نزعته الكوفية يدل على أن الخلاف بين المدرستين لم يكن في المسائل النحوية حسب بل تعداه إلى احتجاج كل مدرسة لشيوخها في القراءات، أورد ابن السراج في الاحتجاج لقراءة الكسائى مالك بألف: «وقال أحمد بن يحيى: من حجة الكسائى أنه يقال:
ملك الناس، مثل سيد الناس، ورب الناس، ومالك يوم الدين، ولا يقال سيد يوم الدين، فاذا كان مع الناس [1] ما يفضل عليهم كان ملك، وإذا كان مع غير الناس كان مالك [2] .
وأود هنا أن أنصف ابن السراج، وأرد اليه فضل السبق في التحدث عن الاشتقاق الصغير، ذلك لأن الأستاذ أحمد أمين (رحمه الله) قال في ظهر الاسلام ما نصه:
«ومن خير ما ألف في اللغة أيضا [3] فى ذلك العصر كتاب مقاييس اللغة لابن فارس المتوفى سنة 395، وقد نحا فيه نحوا جديدا، وقد استخلص من معانى الكلمة المختلفة معنى واحدا، أو معنيين جعله أساسا للكلمة، ونقص عليه، وبيّن أن الاشتقاقات المختلفة تدور حوله. مثال ذلك «وجب» قال الواو والجيم والباء أصل واحد يدل على سقوط الشيء ووقوعه، ثم يتفرع، يقال وجب البيع وجوبا حق ووقع، ووجب الميت سقط، والقتيل واجب، وفى الحديث: «إذا وجب فلا تبكين باكية» أى إذا سقط. وقال الله في النسك { «فَإِذََا وَجَبَتْ جُنُوبُهََا» } قال قيس:
أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم ... عن السلم حتى كان أول واجب
ووجب الحائط سقط [4] .
فأنت ترى أن الأستاذ أحمد أمين وصف ابن فارس في كتابه مقاييس اللغة بأنه «نحا نحوا جديدا فيه» ، ثم بين ذلك النحو الجديد بأن يؤول المعانى كلها إلى معنى واحد، أو كما قال: يريد أن يصب الكلام المتشعب في «برشامة» واحدة [5] وأرى أن ابن فارس (395هـ) لم يكن مبتدعا ذلك ابتداعا، فقد سبقه فيه ابن السراج، والزجاج، ولكن ابن السراج ينفرد بأنه ألف كتابا في الاشتقاق
(1) فى نسخة مراد ملا وما يفضل ليهم والتصحيح عن نسخة البلدية: 1/ 4.
(2) نسخة مراد ملا 1/ 4.
(3) فى الكتاب (غير) والصحيح ما أثبته.
(4) ظهر الإسلام 2/ 93.
(5) مؤتمر المجمع اللغوى الدورة الخامسة عشرة، من الجلسة التاسعة ص 16 (1948/ 1949) .