قال: وقال من احتج لمالك، وكره ملك: أن أول من قرأ ملك: مروان بن الحكم، وأنه قد يدخل في الملك ما لا يجوز ولا يصح دخوله في الملك، قالوا: «وذلك أنه صحيح في الكلام أن يقال:» فلان مالك الدراهم والطير، وغير صحيح أن يقال فلان ملك (الدراهم والدنانير) .
(ب) قالوا: فالوصف بالملك أعم من الوصف بالملك، والله مالك كل شىء، قالوا: والمعنى أنه يملك الحكم يوم الدين بين خلقه دون سائر الخلق الذين كانوا يحكمون بينهم في الدنيا. «قالوا:» وقد وصف الله « (عز وجل) نفسه بأنه مالك الملك، فقال:» قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء، ولا يقال «هو ملك الملك» ، قالوا: فوصفه بالملك أبلغ في الثناء وأعم في المدح من وصفه بالملك.
وقرأ (مالك) من متقدمى القراء قتادة، والأعمش. وقال أبو عبيدة في قوله:
«ملك يوم الدين» معناه الملك يومئذ ليس ملك غير، ومن قرأ مالك أراد به أنه يملك الدين والحساب لا يليه سواه قال: وكذلك يروى عن عمر.
(ج) قال أبو بكر: الاختيار عندى «ملك يوم الدين» ، والحجة في ذلك أن الملك والملك يجمعهما معنى واحد، ويرجعان إلى أصل، وهو الربط والشد، كما قالوا: ملكت العجين أى شددته. وقال الشاعر:
ملكت بها كفى فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها
يصف طعنة يقول: شددت بها كفى، والاملاك من هذا إنما هو رباط الرجل بالمرأة. وكلام العرب بعضه مأخوذ من بعض، فقد يكون الأصل واحدا ثم يخالف بالأبنية، فيلزم كل بناء ضربا من ذلك الجنس، مثال ذلك العدل، يشتق منه العدل، والعديل، فالعدل ما كان متاعا، والعديل الانسان، والأصل إنما هو العدل، فكذلك مالك وملك، فالملك الذى يملك الكثير من الأشياء، ويشارك غيره من الناس بأن يشاركه في ملكه بالحكم عليه فيه، وأنه لا يتصرف فيه إلا بما يطلقه له الملك ويسوسه به، ويجتمع مع ذلك أن الملك يملك على الناس أمورهم في أنفسهم وجميع متصرفاتهم (!!!) ، فلا يستحق اسم الملك حتى يجتمع له ملك هذا كله، فكل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا. وأما قوله (عز وجل) مالك الملك «فان الله (عز وجل) يملك ملوك الدنيا، وما ملكوا، وإنما تأويل ذلك أنه يملك ملك الدنيا، فيؤتى الملك من يشاء، فأما يوم الدين فليس إلا ملكه، وهو ملك الملوك
(جل وعز) يملكهم كلهم، وقد يستعمل هذا في الناس، فيقال: فلان ملك الملوك وأمير الأمراء، يراد بذلك أن من دونه ملوكا وأمراء، فيقال ملك الملوك، وأمير الأمراء ولا يقال ملك الملك، ولا أمير الامارة، لأن أميرا وملكا صفة غير جارية على فعل، ولا معنى لاضافتها إلى المصدر. وأما إضافة ملك إلى الزمان فكما يقال: «ملك عام كذا، وملوك سنة كذا، وملوك الدهر الأول، وملك زمانه، وسيد زمانه، وهو في المدح أبلغ، والآية إنما نزلت بالثناء والمدح لله تعالى، والصفة له، ألا ترى قوله تعالى: {«الْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ، الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ» } فالربوبية والملك متشابهان.