ملكت بها كفى فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها
يصف طعنة يقول: شددت بها كفى، والاملاك من هذا إنما هو رباط الرجل بالمرأة. وكلام العرب بعضه مأخوذ من بعض، فقد يكون الأصل واحدا ثم يخالف بالأبنية، فيلزم كل بناء ضربا من ذلك الجنس، مثال ذلك العدل، يشتق منه العدل، والعديل، فالعدل ما كان متاعا، والعديل الانسان، والأصل إنما هو العدل، فكذلك مالك وملك، فالملك الذى يملك الكثير من الأشياء، ويشارك غيره من الناس بأن يشاركه في ملكه بالحكم عليه فيه، وأنه لا يتصرف فيه إلا بما يطلقه له الملك ويسوسه به، ويجتمع مع ذلك أن الملك يملك على الناس أمورهم في أنفسهم وجميع متصرفاتهم (!!!) ، فلا يستحق اسم الملك حتى يجتمع له ملك هذا كله، فكل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا. وأما قوله (عز وجل) مالك الملك «فان الله (عز وجل) يملك ملوك الدنيا، وما ملكوا، وإنما تأويل ذلك أنه يملك ملك الدنيا، فيؤتى الملك من يشاء، فأما يوم الدين فليس إلا ملكه، وهو ملك الملوك
(جل وعز) يملكهم كلهم، وقد يستعمل هذا في الناس، فيقال: فلان ملك الملوك وأمير الأمراء، يراد بذلك أن من دونه ملوكا وأمراء، فيقال ملك الملوك، وأمير الأمراء ولا يقال ملك الملك، ولا أمير الامارة، لأن أميرا وملكا صفة غير جارية على فعل، ولا معنى لاضافتها إلى المصدر. وأما إضافة ملك إلى الزمان فكما يقال: «ملك عام كذا، وملوك سنة كذا، وملوك الدهر الأول، وملك زمانه، وسيد زمانه، وهو في المدح أبلغ، والآية إنما نزلت بالثناء والمدح لله تعالى، والصفة له، ألا ترى قوله تعالى: {«الْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ، الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ» } فالربوبية والملك متشابهان.
(د) قال: وللمختار لمالك أن يقول: قرأت مالك لأن المعنى يملك يوم الدين وهو يوم الجزاء، ولا يملك ذلك اليوم أن يأتى به، ولا سائر الأيام غير الله. وهذا ما لا يشاركه فيه مخلوق في لفظ ولا معنى، فيقال: هذا الذى قلت حسن، ولولا هذا المعنى وما يؤيده ما جازت القراءة به، ولا بد للمعانى من أن تتقارب، والملك في ذلك اليوم أيضا لا يكون إلا لله، فهو متفرد بهذا الوصف، ويقوى ذلك قوله لمن الملك اليوم؟ لله!! [1] ، وقوله { «وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلََّهِ» .}
(هـ) فان احتج المختار لمالك بما روى من أن أول من قرأ ملك مروان بن الحكم، احتج عليه من الأخبار بما يبطل ذلك، ولعل القائل لذلك أراد أن أول من قرأ في ذلك العصر، أو من ضربه، لأن القراءة بذلك أعرض وأوسع من ذلك بحسب ما انتهى إلينا. انتهت الحكاية عن أبى بكر. [2] .
وهكذا نرى ابن السراج يمزج في احتجاجه بين الأدلة المنقولة عن شيوخ القراءة واللغة، والأدلة العقلية التى يناقش بها هذه النقول النقلية، ثم تظهر شخصيته واضحة فيما يختار من الأوجه المختلفة، وما يدل به على ذلك الاختيار، وهو بعد ذلك منظم في عرض الفكرة، معتدل بين الايجاز والاطناب، ثم ان إطنابه لا يسلمك إلى نوع من الاستطراد الذى يبعد بك عن النقطة الأصلية التى توجه بالاحتجاج لها والتحدث فيها.
فأين هذا من خطة أبى على التى ترمى بك إلى ناحية من الاستطراد والاحتجاج الذى يخلطه أو يقدم له، ويحشوه، ويفرع فيه، ويدحوه، بذكر مسائل في النحو والصرف، والعروض، واللغة، والاعراب، حتى يبلغ الملال منك مبلغا يضيع معه الاحتجاج الذى وسم كتابه به، وآية الفرق ما بين الخطتين أنك إذا قرأت كلام
(1) سورة المؤمن.
(2) الحجة نسخة مراد ملا ورقة 3وما بعدها.