أبى بكر بن السراج أدركت من أول وهلة الموضوع الذى يتحدث فيه، والحرف المختلف عليه، والذى يحتج له دون أن يكدك أو يجهدك. على حين أنك لو قرأت كلام أبى على الفارسى لا تصل في سرعة ويسر إلى إدراك القراءة التى يحتج لها، والموضع المختلف عليه الذى يتحدث فيه، وقد ضربت مثالا لاستطراده في موضع آخر من هذا البحث، ولكن من الموضح أن أشير إلى ما اتبعه في الاحتجاج لاختلاف القراءة في «ملك ومالك» حتى يبدو الفرق بينه وبين ابن السراج واضحا.
بدأ أبو على الاحتجاج لمن قرأ باسقاط الألف أو اثباتها في مالك يوم الدين ببحث لغوى في معنى أملاك المرأة، ومعنى الملك للشيء فيذكر أنه اختصاص من المالك به، وخروجه عن أن يكون مباحا لغيره، ثم يستطرد فيذكر معنى الاباحة، ويقرن ذلك بقولهم: باح السر، وباحت الدار، ويستدل على أن التمليك معناه التشديد بقول أوس بن حجر:
فملك بالليط الذى تحت قشرها ... كغرقيء بيض كنه القيض من عل
ثم يأخذ في إعراب الذى، وأنه في موضع نصب بأنه مفعول به لملك، ولا يكون في موضع جر على أنه وصف لليط، ويذكر السبب في ذلك التوجيه و،
وتسأل نفسك: ما علاقة الاحتجاج لاختلاف القراءة في إسقاط الألف من مالك أو اثباتها بالحديث عن موضع الذى من الاعراب في قوله: فملك بالليط الذى تحت قشرها؟، وبالحديث [1] عن الاضافة إلى يوم الدين في كلتا القراءتين؟ وبانتصاب أياما في قوله: {«يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيََامُ كَمََا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيََّامًا} على أنه مفعول به على الاتساع، وكان في الأصل ظرفا!؟
وبتقدير المحذوف في قوله: { «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومََاتٌ} [2] » ، و { «مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [3] » ؟، وبالعامل في قوله: { «اللََّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسََالَتَهُ» } [4] ، وباعراب يوم في قوله تعالى:
{ «وَأَتْبَعْنََاهُمْ فِي هََذِهِ الدُّنْيََا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيََامَةِ» } [5] ، وفى قول الشاعر:
حميت عليه الدرع حتى وجهه ... من حرها يوم الكريهة أسفع [6]
(1) نسخة البلدية 1/ 9.