له كتابا مقصورا عليه، أو يتجردوا للانتصار له، ويوضحوا أسراره وعلله فلا تعلمه».
وأمر ثالث أفضى به في مقدمة المحتسب إذ يقرر أن التشاغل [1] بالاحتجاج للشواذ وحى من أستاذه أبى على، ذلك أن الشيخ كانت قد هجست خواطره به، وحدث نفسه بعمله، وهم أن يضع يده فيه، ويبدأ به، ولكن خوالج هذا الدهر اعترضت دونه [2] . فكان حسنا من ابن جنى أن يمضى فيما فكر فيه أستاذه، وأن ينفذ ما اعتزم عليه من ذلك.
هذه أسباب قريبة دفعت فيما أرى ابن جنى إلى الاحتجاج للشواذ، وإلى جانب ذلك ما كان لابن جنى من قدم راسخة، فهو عالم باللغة، محيط بأسرارها، حافظ لأشعارها، ملم بأصولها، إلى ما له من قريحة وقادة، وذكاء نافذ، ونظرة عميقة، واستخراج موفق، كل ذلك يسر له كثيرا الاحتجاج للشواذ دون عناء كبير.
ثم: ألم يشرح ابن جنى لأبى الطيب المتنبى أبياته الغامضة؟ والتى كان إذا سئل عنها المتنبى نفسه أحال السائل إلى ابن جنى حتى يستوضحه، ويبين له الوجه فيما قال [3] ؟
ثم ألم يتناول مشكل أبيات الحماسة بالبيان؟ ولا شك أن ميدان العمل في الاحتجاج للقراءات الشاذة ضرب من هذا القبيل، إلى ما فيه من التماس للثواب الجميل، واحتساب الأجر الجزيل.
وفى كتاب المحتسب لابن جنى إشارات تدل على أنه ألفه بعد جملة صالحة من كتبه المعروفة، إذ يشير إلى كتابه المحاسن [4] ، والمنصف [5] ، وشرح ديوان المتنبى [6] ، وسر الصناعة [7] ، والتنبيه وهو تفسير مشكل أبيات الحماسة [8] ، والخطيب، وهو شرح المذكر والمؤنث لابن السكيت [9] ، كما يشير إلى كتابه الخصائص المشهور بين الناس [10] . ومعلوم من كتب التراجم أن كتاب الخصائص مؤلف لبهاء الدولة [11] ، الذى ملك سنة (379هـ) [12] . فكتاب المحتسب إذن مؤلف بعد هذا
(1) مقدمة المحتسب: 6.
(2) مقدمة المحتسب: 7.
(3) الصبح المبنى.
(4) المحتسب: 1/ 246.
(5) 1/ 46و 89و 350مثلا.
(10) 1/ 87و 279.
(11) الخصائص 1/ 2.
(12) انظر الكامل لابن الأثير 279وذيل تجارب الأمم 3/ 153وتاريخ المسلمين للشيخ جرجس بن العميد ط 1925ص 241.