التاريخ، بل إن هناك دليلا على أنه مؤلف بعد سنة (384هـ) وفى جمادى الآخرة من تلك السنة على التحديد، ذلك أن أبا الفتح عثمان بن جنى كتب إجازة للشيخ أبى عبد الله الحسين بن أحمد بن نصر أن يروى عن مصنفاته وكتبه [1] ، ولم يرد المحتسب في هذه الاجازة، وبما أن هذه الاجازة بتاريخ جمادى الآخرة سنة 384هـ فمعنى هذا أن كتاب المحتسب مؤلف بعد تاريخ الاجازة، وإذ كان ابن جنى قد توفى سنة 392هـ عن اثنين وستين عاما، فاذن قد ألف كتاب المحتسب وهو باخرة من زمانه متقدما في سنه نحو الخامسة والخمسين. وإذ قد ثبت أن كتاب المحتسب مؤلف بعد الخصائص فهو مؤلف كذلك بعد النوادر الممتعة الذى يشير إليه ابن جنى في كتاب الخصائص [2] .
ويبدو من مقدمة الكتاب أنه ألف وقد أحس دنو منيته، وذلك قوله:
«وإن قصرت أفعالنا عن مفروضاتك، وصلتها برأفتك بنا، وتلافيتنا من سيئات أنفسنا ما امتدت أسباب الحياة لنا، فاذا انقضت علائق مددنا، واستوفى ما في الصحف المحفوظة لديك من عدد أنفاسنا، واستؤنفت أحوال الدار الآخرة بنا فاقلبنا إلى ظل جنتك التى لم تخلقها إلا لمن وسع ظل رحمتك [3] » .
فالتفكير في انقضاء علائق الحياة، واستيفاء الأنفاس، واستئناف أحوال الدار الآخرة، والتطلع إلى ما فيها من ظلال النعيم كل ذلك ظواهر تختلج على ألسنة الذين أدبرت أعمارهم، وولت حياتهم، وشعروا بدنو آجالهم.
الذى أريد أن أرتبه على ذلك كله أن أبا الفتح قد اجتمعت له في تأليف المحتسب تجارب طويلة ممتدة، وخبرات نافعة متعددة، هى تجارب العمر كله التى انتهت به إلى الاستقرار الذهنى، ونضج ثمرة التحصيل المبكر، والدرس المستمر، والصحبة المجدية لأستاذه أبى على. إلى ما ركب الله فيه من صفاء القريحة، وتوقد الذهن، والقدرة البالغة على الاستخراج، والبراعة الفائقة في تفهم اللغة، والتفقه في خصائصها، والتعرف على أصولها، والغوص البعيد في أعماقها، والسعى المديد
(1) معجم الأدباء: 12/ 109.
(2) انظر مثلا 336و 388.
(3) مقدمة المحتسب وقرأت بعد ذلك في حقائق التأويل للرضى ما نصه: كان شيخنا أبو الفتح النحوى عمل في آخر عمره كتابا يشتمل على الاحتجاج بقراءة الشواذ».
(حقائق التأويل: 5/ 331)