الآثار والفقه إلى طلب النحو بسبب تلحين حماد بن سلمة له [1]
هذا إلى أن شيخه أبا على الذى لازمه أربعين سنة كان من المقلين في الإقراء فلم يقرأ عليه، إلا عبد الملك بن بكران النهروانى كما يحدثنا بذلك ابن الجزرى [2]
وليس معنى انصراف ابن جنى عن الدراسات القرآنية أنه تركها جملة، لا: بل أريد أن أقول: «إنه لم يحتشد لها، ولم يحتفل بها، كما فعل في النحو واللغة مثلا.
فالشواذ التى وردت في كتاب المحتسب عرفها من اطلاعه على كتاب أبى بكر ابن مجاهد في الشواذ [3] ، وكتاب كل من أبى حاتم السجستانى، وقطرب، وبعض هذه الكتب أخبره فيها شيخه أبو على الفارسى [4] ، على أن كتاب المحتسب في مجموعه كتاب تخريج للقراءات الشاذة من الناحية اللغوية، والإعرابية، والصرفية.
* * * وقد صدر ابن جنى كتاب المحتسب بمقدمة، بدأها بحمد الله ودعائه، ثم أثنى على نبيه، وضمن ذلك ثناء على القرآن الكريم، وأشار إلى اعجازه الذى كد بمهله شد المجدين، واستولى بأوله على آخر غاى الناطقين، سواء في ذلك ما اجتمع عليه قراء الأمصار، وما تعدى ذلك مما سماه أهل زمانه شاذا.
ثم خلص من ذلك إلى بيان آرائه في الشواذ، والفرق بينه وبين قراءات القراء السبع. ومقدار ما للشاذ من وثاقة، ثم ذكر الأسباب الموجبة إلى التشاغل بالاحتجاج للشاذ، وبين ما يلتزمه من الأسلوب في ذلك الكتاب، وما يدعو ذلك من الاسباب. ثم وثق كتابه: فذكر المصادر التى استقى منها القراءات الشاذة، راويا، طرفا، وطرفا مرويا له، ومخبرا به، كما أنه أشار إلى التزامه الدقة والأمانة في عرض ما يورد من روايات وقراءات.
وهكذا بين ابن جنى في هذه المقدمة آراءه في الشاذ، وما يدور حوله من مسائل في توثيقه، وما يشير إليه من فصاحة، وما يكون في الاحتجاج له من لطف في الصناعة، وذلك ما أعرضه فيما يأتى من حديث في هذا الفصل، مبينا مقدار ما تلاقى بأبى على، وما بعد فيه عنه.
(1) نزهة الألباء 38.
(2) طبقات القراء: 1/ 207.
(3) انظر المحتسب 1/ 379.
(4) انظر 9، 10من كتاب المحتسب.