فسر ابن جنى الشاذ بأنه خارج عما أجمع عليه أكثر قراء الأمصار، ولكنه مع خروجه عن قراءات القراء السبع نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف بالرواية من أمامه وورائه [1] ، بل ارتقى ابن جنى بالشاذ فقال: «لعله أو كثيرا منه مساو في الفصاحة للمجتمع عليه [2] » . بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فقرر أنه ربما كان في الشاذ ما تلطف صنعته، وتعنف بغيره فصاحته [3] ، وابن جنى بذلك لا يخالف القراء المجتمع في أهل الأمصار على قراءتهم، ولا يعدل عما أثرته الثقات عنهم. غاية الأمر أنه يرى قوة ما يسمى في عهده شاذا، ولا ينبغى أن يغض منه أو يتهم، ثم عاد فدلل على ما يرى في الشاذ بما يأتى:
(ا) أن له سندا من صحة الرواية.
(ب) وأن له وجها من سمت العربية.
وإذا كانت الرواية تنميه إلى رسول الله فنحن مأمورون بتقبله، والأخذ به، والعمل بموجبه، ويستدل على ذلك بقوله تعالى: { «وَمََا آتََاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ» } [4] .
وإذن فكل من القراءات السبع، والشاذ مروى مسند إلى السلف، وإذ كان المجتمع عليه أقوى إعرابا، وأنهض قياسا، فإن ذلك لا يقدح في الشاذ، ولا يمنع من الأخذ به، لأن ضعف الإعراب لا يمنع من صحة الشاذ. ولو كان ضعف الإعراب في قراءة قادحا فيها، مانعا من الأخذ بها ما أخذنا بقراءة ابن كثير ضئاء بهمزتين، وقراءة ابن عامر: { «وَكَذََلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلََادِهِمْ شُرَكََاؤُهُمْ» } [5] .
ثم وضع ابن جنى ملاكا عاما للقارئ الذى يجب الأخذ بقراءته، وذلك إذ يقول: «ولعمرى أن القارئ به من شاعت قراءته، واعتبر الأخذ عنه، فأما من يتوقف من الأخذ به لان غيره أقوى إعرابا منه فلا [6] » .
وأرى ابن جنى بعد ذلك على حق فيما ذهب إليه، فما دامت القراءة عن رسول الله مسندة سواء أكانت من المجتمع عليه أم مما هو خارج عنه وما دام لها وجه من العربية، فلا معنى لردها، وعدم الأخذ بها، وليس ضعف العربية
(1) المحتسب 1/ 3.
(4) سورة 59آ 7.
(5) سورة الأنعام.
(6) المحتسب: 1/ 65.