ما جاء بعده من قوله: «إبراهيم وإسماعيل وإسحق» فأبدل الجماعة من أبيك، فهو جماعة لا محالة، لاستحالة إبدال الأكثر من الأقل. فيصير قوله تعالى «وإله أبيك» كقوله «وإله ذويك» هذا هو الوجه، وعليه فليكن العمل [1] .
وفى هذا المثال نرى أكثر من دليل على استعانته بالمنطق في التدليل:
(ا) ففي قوله: «وذلك أن أكثر القراءة وإله آبائك جمعا كما ترى الخ تعليل لقوله «لا وجه له» .
(ب) وفى استشهاده بأبيات الكتاب، وأبى طالب وغيرهما استعمال للدليل المؤسس.
(ج) وفى قوله: ويؤكد أن المراد به الجماعة اتباع الدليل المؤسس بالدليل المؤكد.
(د) وفى قوله: فيصير قوله تعالى وإله أبيك قياس وتنظير.
(هـ) وقوله في خاتمة هذا الدليل: «هذا هو الوجه، وعليه فليكن العمل» كالنتيجة التى يسلم إليها البرهان.
المثال الثالث: خطأ ابن جنى ابن مجاهد في قوله: آيدتك على فاعلتك من قوله تعالى: { «إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ» } [2] قال أبو الفتح: «هذا الذى توهمه ابن مجاهد أن أيدتك على فاعلتك لا وجه له. وإنما أيدتك أفعلتك من الأيد وهو القوة.
وقال أبو على: «إنما كثر فيه أيدتك فعلتك لما يعرض في أيدتك من تصحيح العين مخافة توالى اعلالين في أيدتك، وأنشدنا قوله:
ينبى تجاليدى واقتادها ... ثاو كرأس الفدن المؤيد
فهذا من أيدته أى قويته لأنه مفعل كمكرم ولو كان أيدتك كما ظن ابن مجاهد فاعلتك لكان اسم المفعول منه مؤايد كمقاتل ومضارب، ولكن قراءة من قرأ آتيناها فاعلنا، ولو كان أفعلنا لما احتاج إلى حرف الجر، لأنه إنما يقال أتيت زيدا بكذا، وآتيته كقولك أعطيته، فكذاك لو كان آتينا أفعلنا لكان آتيناها كقولك أعطيناها، وأنت لا تقول آتيته بكذا كما لا تقول أعطيته بكذا. فقوله في تلك القراءة آتيناها كقولك حاضرنا بها، وشاهدنا بها وهذا واضح.
ومعنى قول أبى على: لو جاء آيدتك على ما يجب في مثله من إعلال عين أفعلت إذا كانت حرف علة كأقمت زيدا، وأبعته أى عرضته للبيع لتتابع فيه اعلالان، لأن أصل آيدت أأيدت كما أن أصل آمر أأمر، فانقلبت الهمزة الثانية ألفا لاجتماع
(2) سورة المائدة آ 110.