(ب) ومن القراءات التى احتج لها قراءة يزيد البربرى: { «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمََاءَ كُلَّهََا» } قال أبو الفتح: «ينبغى أن يعلم ما أذكره، وذلك أن أصل وضع المفعول أن يكون فضلة بعد الفاعل كضرب زيد عمرا، وإذا عناهم ذكر المفعول قدموه على الفاعل، فقالوا: «ضرب عمرا زيد» فاذا ازدادت عنايتهم به قدموه على الفعل الناصبة فقالوا: «عمرا ضرب زيد» فان تظاهرت العناية به عقدوه على أنه رب الجملة، وتجاوزوا به حد كونه فضلة، فقالوا: عمرو ضربه زيد «فجاءوا به مجيئا ينافى كونه فضلة، ثم زادوه على هذه الرتبة فقالوا: عمرو ضرب زيد «فحذفوا ضميره، ونووه ولم ينصبوه على ظاهر أمره رغبة به عن صورة، الفضلة، وتحاميا لنصبه الدال على كون غيره صاحب الجملة، ثم أنهم لم يرضوا له بهذه المنزلة حتى صاغوا الفعل له، وبنوه على أنه مخصوص به، وألغوا ذكر الفاعل مظهرا أو مضمرا فقالوا «ضرب عمر» فاطرح ذكر الفاعل البتة، نعم. وأسندوا بعض الأفعال إلى المفعول دون الفاعل البتة، وهو قولهم أولعت بالشىء ولا يقول «أولعنى به كذا» وقالوا: «ثلج فؤاد الرجل» ولم يقولوا «ثلجه كذا» وامتقع لونه ولم يقولوا:
«امتقعه كذا» ولهذا نظائر فرفض الفاعل هنا البتة، واعتماد المفعول به البتة دليل على ما قلناه فاعرفه وأظننى سمعت أولعنى به كذا، وإن كان كذلك فما أقله أيضا وهذا كله يدل على شدة عنايتهم بالفضلة، وإنما كانت كذلك لأنها تخلو الجملة، وتجعلها تابعة المعنى لها، ألا ترى أنك إذا قلت: «رغبت في زيد» أفيد منه إيثارك له، وعنايتك به، وإذا قلت: «رغبت عن زيد» أفيد منه اطراحك له. وإعراضك عنه، ورغبت في الموضعين بلفظ واحد، والمعنى ما تراه من استحالة معنى رغبت إلى معنى زهدت.
وهذا الذى دعاهم إلى تقديم الفضلات في نحو قول الله سبحانه { «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» } وإنما موضع اللام التأخير، ولذلك سيبويه (كذا) إن الجفاة ممن لا يعلم كيف هى في المصحف يقرؤها «ولم يكن كفوا له أحد» .
فان قلت: «فقد قالوا زيدا ضربته فنصبوه، وإن كانوا قد أعادوا عليه ضميرا يشغل الفعل بعده عنه حتى أضمروا له فعلا ينصبه، ومع هذا فالرفع أقوى وأعرب، وهذا ضد ما ذكرته من جعلهم إياه رب الجملة ومبتدأها في قولهم: «زيد ضربته» .