فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 735

قيل: هذا وإن كان على ما ذكرته فان فيه غرضا من موضع آخر، وذلك أنه إذا نصب على ما ذكرت فانه لا يعدم دليل العناية به وهو تقديمه في اللفظ منصوبا، وهذه صورة انتصاب الفضلة مقدمة لتدل على قوة العناية به، لا سيما والفعل الناصب له لا يظهر أبدا مع تفسيره فصار كأن هذا الفعل الظاهر هو الذى نصبه وكذلك يقول الكوفيون أيضا، فاذا ثبت بهذا كله قوة عنايتهم الفضلة حتى ألغوا حديث الفاعل معها، وبنوا الفعل لمفعوله فقال: «ضرب زيد» حسن قوله تعالى: { «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمََاءَ كُلَّهََا» } لمكان الغرض فيه أنه قد عرفها وعلمها وأنس أيضا علم المخاطبين بان لله سبحانه هو الذى علمه إياها بقراءة من قرأ { «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمََاءَ كُلَّهََا» } ونحوه قوله تعالى: { «إِنَّ الْإِنْسََانَ خُلِقَ هَلُوعًا» } وقوله تعالى { «خُلِقَ الْإِنْسََانُ مِنْ عَجَلٍ» } هذا مع قوله: { «خَلَقَ الْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ» } وقال سبحانه { «خَلَقَ الْإِنْسََانَ عَلَّمَهُ الْبَيََانَ» } وقال تبارك اسمه: { «خَلَقَ الْإِنْسََانَ مِنْ صَلْصََالٍ كَالْفَخََّارِ» } فقد علم أن الغرض بذلك في جميعه أن الانسان مخلوق ومضعوف، وكذلك قولهم: ضرب زيد، إنما الغرض منه أن يعلم أنه قد ضرب، وليس الغرض أن يعلم من الذى ضربه، فان أريد ذلك ولم يدل عليه فلا بد أن يذكر الفاعل فيقال: «ضرب فلان زيدا، فان لم يفعل كلف علم الغيب [1] » !!

وقد قصدت قصدا إلى نقل ذلك النص بتمامه كما قصدت إلى نقل نصوص أخرى في هذا الفصل ليتضح أسلوب ابن جنى في تناوله المسائل العلمية، ثم لا يغنى في هذا النص جزء من جزء، فتفهمه والتعليق عليه يدعوان إلى قراءته جملة واحدة دون بتر أو اكتفاء، ويبدو من هذا النص:

أولا ما أشرت إليه منذ حين إلى أن ابن جنى إذا ما أحس أنه سيتناول فكرة مبتكرة يستقل بها عن شيوخه نبه إليها بمثل قوله هنا: «ينبغى أن يعلم ما أذكره» أو نحو ذلك.

ثانيا هذا الأسلوب القوى الأسر في مسألة من مسائل النحو، ويكفى أن ترجع إلى قوله مثلا: «فإن تظاهرت العناية به عقدوه على أنه رب الجملة» أو قوله:

«ولم يرضوا له بهذه المنزلة حتى صاغوا الفعل له وبنوه على أنه مخصوص به» ثم هذه المقابلة في تفسير التعبيرين: «رغبت في زيد» و «رغبت عنه» فالأول «يفيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت