فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 735

وأعلم أن تسليما وتركا ... للا متشابهان، ولا سواء

فهذا في المعنى كقوله: «إن التسليم والترك لا متشابهان، ولا سواء» [1] .

* * * وبعد: فقد عقدت هذا البحث من ذلك الفصل للمسائل البلاغية عند ابن جنى، وها نحن أولاء نرى كيف تناول من هذه المسائل على هدى من الحس النفسى، والذوق الأدبى، والطبع الانسانى وهو ما يدعو إليه المجد دون من الباحثين في هذا الزمان في تحليل وبراعة، وغوص على المعانى الدقيقة في يسر واسجاح.

ومن الانصاف أن أذكر أن أصول هذه المسائل كان بعضها من مبتكرات ابن جنى، وبعضها الآخر أشار إلى أثر شيخه أبى على فيها، لكنه صبغها بمنهجه في البحث والتعليل، وطبعها بشخصيته في التناول والتعليل، فجاءت من بعد دالة عليه، مشيرة اليه.

وطريقة ابن جنى في الاحتجاج لبعض القراءات التى تتصل بمسائل بلاغية لها دلالتها الكثيرة في أن النحويين القدماء لم يكونوا يعنون بالألفاظ فقط كما اتهمهم بذلك المناطقة [2] ، بل إلى جانب ذلك عنوا بالمعانى، وقدروها حق قدرها، ويكفى أن تقرأ كلمة ابن جنى في ذلك إذ يقول: «إن العرب قد تحمل على ألفاظها لمعانيها حتى تفسد الاعراب لصحة المعنى» [3] ، وهذا القول شبيه بما قاله في الخصائص:

«فان أمكنك أن يكون تقدير الاعراب على سمت تفسير المعنى فهو ما لا غاية وراءه، وان كان تقدير الاعراب مخالفا لتفسير المعنى تركت تفسير المعنى على ما هو عليه، وصححت طريق تقدير الإعراب» [4] .

وقد تناولت هنا مدى تأثر ابن جنى بأبى على في المسائل البلاغية، وحديثه عن المعانى فيها، ومن المهم أن أذكر أن هذا الأثر سار في امتداده حتى شيخ البلغاء:

«عبد القاهر الجرجانى» الذى يعده الباحثون صاحب «علم المعانى» وقد اعتمد في أغلبه على مسائل النحو، وردد في غير دفعة من كتابه «دلائل الاعجاز» أن هذه التسمية أتته من معانى النحو.

أما كيف امتد هذا الأثر، وكيف اتصل عبد القاهر الجرجانى بمدرسة أبى على

(2) راجع المقابسات لأبي حيان.

(3) المحتسب 2/ 261.

(4) الخصائص 1/ 292.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت