فى الانحلال والضعف، فقد ولد في أخريات القرن الثالث الهجرى في أوائل خلافة المعتمد على الله، ثم نسأ الله في أجلة فعاش حتى أوائل الربع الأخير من القرن الرابع الهجرى، وإذن فقد رأى الدولة العباسية، وقد تناثرت في هذه الدويلات التى استقل بها الأمراء في مشارق العالم الإسلامى ومغاربه. وكانت هذه الدولة تتنازع مجد العلم والأدب كما نتنازع السلطان، وآتت عناية الخلفاء في العصر العباسى الأول بالحركة الفكرية أكلها في ذلك الحين، وكانت عجلة التقدم العلمى لا تزال دائرة في عصر الدويلات فكانت عهودها خيرا وبركة على العلم والعلماء، والأدب والأدباء بما رأى القائمون على أمر هذه الدولة من ملوك ووزراء أن التفاف الشعراء والكتاب والعلماء حولهم مظهر من مظاهر السلطان، وحلية من حلى الزمان، وسبيل إلى اكتمال أبهتهم، وذيوع شهرتهم. حتى رأينا من لا يحسن العربية يزين ملكه بهؤلاء من رءوس العلم والأدب في زمنه.
استدعى بحكم التركى حاكم واسط [1] ، وأمير بغداد والعراق أبا بكر محمد ابن يحيى [2] الصولى، وكان مقربا إليه، وقال له: «إن أصحاب الأخبار رفعوا إلىّ أنى لما طلبتك من المسجد (وكان الصولى يقرأ درسا فيه) قال الناس: «أعجله الأمير ولم يتم مجلسنا، أفتراه يقرأ عليه شعرا أو نحوا أو يسمع من الحديث؟» (يقولون ذلك تهكما ببجكم لأنه لا يحسن العربية) ، ثم قال بجكم ردا على هذا:
«أنا إنسان، وإن كنت لا أحسن العلوم والآداب أحب ألا يكون في الأرض أديب، ولا عالم، ولا رأس في صناعة إلا كان في جنبتى وتحت اصطناعى، وبين يدى لا يفارقنى» [3] .
فانظر كيف بلغت به رغبته في اجتذاب العلماء مع ما فيه من عجمة لا تبين، ولا يرجى معها فهم شعر أو نحو أو استماع إلى المحدثين؟
على أن منهم إلى جانب ذلك من كان عالما محبا للعلماء راغبا في الاستفادة من علمهم، وهذا عضد الدولة يناقش أبا على الفارسى مناقشة العالم ويستقل كتاب الإيضاح منه [4] ، وقد حكم الأستاذ براون في كتابه التاريخ الأدبى للفرس أن السلطان محمود بن سبكتكين علم أن في مجلس مأمون بن مأمون جماعة من رجال
(1) الأوراق ص 195.
(2) وفيات الأعيان 1/ 411.
(3) الأوراق ص 195وظهر الاسلام ج 1ص 95.
(4) شذرات الذهب ج 3/ 88.