عن الأخذ بلغته، وما أظن الشجرى إلا استهواه كثرة ما جاء عنهم من تحريك حرف الحلق بالفتح إذا انفتح ما قبله في الاسم على مذهب البغداديين نحو قول كثير:
له نعل لا تطبى الكلب ريحها ... وإن جعلت وسط المجالس شمت
وقال أبو النجم:
وجبلا طال معدا فاشمخر ... أشم لا يستطيعه الناس الدهر
وهذا قد قاسه الكوفيون، وإن كنا نحن لا نراه قياسا، لكن مثله يعدو وهو محموم لم يرو عنهم فيما علمت. فإياك أن تخلد إلى كل ما تسمعه، بل تأمل حال مورده، وكيف موقعه من الفصاحة فاحكم عليه وله [1] .
موقفان مختلفان لابن جنى يحذر في الخصائص أن نخلد إلى تحريك حرف الحلق بالفتح إذا انفتح ما قبله في الاسم على مذهب البغداديين، ويرى أن ذلك لا يقاس عليه، فاذا احتج في «المحتسب» لقراءة «قرح» رأى ما يرى البغداديون من أن حرف الحلق يؤثر في الفتح أثرا معتدا معتمدا [2] . ثم يقرر أن الذى يراه من رأى البغداديين هو الحق الذى يقرب وحده بينه وبين النحويين: بصريين كانوا أو بغداديين.
ولا أرى سببا في تفسير هذين الموقفين إلا ائتناسه بالآراء الموثقة للشواذ من القراءات وربما كان لاستقراره الذهنى أثر في رحابة صدره نحو المذاهب النحوية واللغوية المختلفة. قد يكون ذلك، ولكنى إلى السبب الأول أميل، وبه أقول.
ولم يكن ذلك التناقض غريبا من ابن جنى فاستفتاؤه الشيوخ، وتخليه عن العصبية الطائفية، والتماسه وجه الحق وحده أمر يمليه عليه عمله في الاحتجاج لقراءات تمت بصلة قوية إلى آراء النحاة من هؤلاء وهؤلاء. ومن أجل ذلك أيضا احتج بلهجات القبائل المختلفة، ونظر إليها معتمدا عليها في توثيق الشاذ من القراءات إذ كان صورة من هذه اللهجات، وكانت استعانته باللهجات في كثرة ظاهرة دفعت الأستاذ أحمد تيمور (رحمه الله) الى أفراد ثبت خاص لهذه اللهجات في صدر كل جزء من جزءي المخطوطة في خزانته. والنظر في هذه اللهجات يفيد كثيرا في تعليل القراءات ورجعها الى أصولها من لهجات القبائل: ما كان منها راجعا الى الضبط الحركى، أو اختلاف المعنى مع اتحاد الحروف، أو اختلاف الحروف مع اتحاد المعنى.
واليك بعض أمثلة من ذلك:
(1) الخصائص: 1/ 409.