عند علماء اللغة والنحو، ولا يجوز أن تتسم بالشذوذ. هذا فيما يرى ابن جنى وهو على حق فيما ذهب اليه أما ابن مجاهد فقد قال بشذوذ ما خرج عن قراءات الأئمة السبعة في الأمصار، بل وقعت العداوة بينه وبين إمام من أئمة عصره هو محمد ابن أحمد بن أيوب بن الصلت بن شنبوذ [1] ، الذى كان يقرأ في اعتبار ابن مجاهد بالشذوذ، وقد عذب في حضرة ابن مجاهد، عذبه الوزير أبو على ابن مقلة [2] ، واستكتبه محضرا بأن يرجع عن الشاذ من قراءته واستتيب عنه بعد اعترافه به [3] .
ومن هنا كان تعقب ابن جنى لأبى بكر بن مجاهد أمرا يحتمه الدفاع عن القراءات التى عدها ابن مجاهد شاذة. ويدعو اليه اتجاه كل من الرجلين بالنسبة لهذه القراءات.
وجاء احتجاجه في المحتسب لبعض القراءات التى شذذها ابن مجاهد دليلا على انتصاره إلى حد ما لهذه النظرة المتحررة التى حمل لواءها ابن شنبوذ.
وشىء آخر كان سببا في تعقب ابن جنى لابن مجاهد. ذلك ما يبدو من أن أبا بكر كانت له تعليقات على القراءات الشاذة من حيث الميزان الصرفى والتوجيه الاعرابى أو التفسير اللغوى، أو غير ذلك مما يتصل بالصناعة الصرفية والنحوية واللغوية.
ولما كانت قدم ابن مجاهد في ذلك غير راسخة رسوخها عند ابن جنى [4] ، فقد وقف مواقف كانت باعثة لابن جنى على التعقيب والتعليق. والذى يقرأ كتاب المحتسب يجد أن ابن جنى قد اعترف لابن مجاهد في ناحية تخصصه، فابن جنى يوثق ابن مجاهد، ويأخذ بقوله، ويعتد به، ويعتمد عليه فيما هو متصل بالرواية، ويعترف بتوفيقه وهدايته في ذلك [5] . أما فيما هو خاص بالتفسير اللغوى، أو البحث الصرفى، أو فقه العربية فكثيرا ما ينبه على خطأ ابن مجاهد فيه، أو بعده، عن الصواب، أو قوله بغير الأولى أو نحو ذلك مما استشهد له، وأدل عليه عما قريب:
فشاهد اعتداد ابن جنى بابن مجاهد في الرواية قوله في قراءة عيسى بن عمر:
(1) طبقات القراء: 2/ 5652.
(2) الفهرست: 47.
(3) انظر طبقات القراء: 1/ 54.
(4) انظر الفهرست لابن النديم: ص 52ففيها كتاب معانى القرآن وتفسيره ومشكله لأبي الحسن على بن عيسى بن داود بن الجراح الوزير أعانه على عمله أبو بكر بن مجاهد وأبو الحسن الخزاز النحوى. ويبدو أن ابن مجاهد قام بما هو خاص بالقراءات على حين قام الخزاز بالنواحى النحوية والاعرابية.
(5) انظر المقدمة: 8.