وإذا اتخذنا الثعالبى، والبيرونى مثلا لأدباء هذا العصر وعلمائه عرفنا تولية الأدباء وجوههم شطر هذه الدول:
فالثعالبى: أهدى كتابه لطائف المعارف إلى الصاحب بن عباد، والمبهج، والتمثيل، والمحاضرة إلى شمس المعالى قابوس، وسحر البلاغة وفقه اللغة إلى الأمير أبى الفضل الميكالى، والنهاية في الكتابة، ونثر النظم، واللطائف والظرائف إلى مأمون ابن مأمون أمير خوارزم. وقدم أخبار ملوك الفرس وسيرهم إلى نصر أخى السلطان محمود.
والبيرونى: أقام في خوارزم عند المأمونية، ثم سار إلى شمس المعالى، وقدم إليه كتاب الآثار الباقية، ثم قصد السلطان محمود فلزمه وقدم إليه كتابه عن الهند، وقدم كتاب التفهيم في علم التنجيم الذى ألفه بالعربية والفارسية إلى سيدة من خوارزم اسمها ريحانة، ثم قدم القانون المسعودى في النجوم إلى مسعود بن محمود، وكتابه في المعارف إلى السلطان مودود بن مسعود [1] .
وكانت هناك ارتحالات لطلب العلم كما كانت الارتحالات لطلب المال: حكى ابن خلكان قال: قال أبو على محمد بن وشاح بن عبد الله: سمعت أبا نصر بن نباته يقول: كنت يوما قائلا في دهليزى، فدق على الباب، فقلت: «من؟» فقال:
«رجل من أهل المشرق» ، فقلت: «ما حاجتك؟» فقال: «أنت القائل:
من لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب، والداء واحد؟
فقلت: «نعم!» فقال: «أرويه عنك؟» فقلت: «نعم!» فمضى، فلما كان آخر النهار دق على الباب. فقلت: «من» فقال: «رجل من أهل تاهرت من الغرب» فقلت: «ما حاجتك؟» فقال: «أنت القائل» :
من لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب، والداء واحد؟
فقلت:: «نعم!» فقال: «أرويه عنك؟» فقلت: «نعم!» [2] .
وقد يكون ما يحكيه أبو نصر بن نباته (ت 495هـ) من قبل الدعاية إلى شعره وأنه يسير في الآفاق، ويصل إلى المشرق والمغرب، ولكنه يدل على الارتحال الذى شغف به أهل هذا العصر على كل حال.
(1) الرسالة مجلد 2عدد 38ص 549وما بعدها.
(2) وفيات الأعيان ج 2/ 365.