ويحدثنا المقرى في نفح الطيب أن ابن خيرون أبا عبد الله محمد بن محمد (وقيل محمد ابن عمر) الأندلسى (ت 356هـ) رحل إلى المشرق وأخذ القراءات بمصر عن محمد بن سعيد الأنماطى [1] ، ومصر موطن ورش [2] ، والذى انتهت إليه رئاسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه [3] ، وعاد ابن خيرون إلى القيروان وسمع بها وبقرطبة [4] ، ويقول المقدسى في أحسن التقاسيم في كلامه على مذاهب المسلمين في مختلف الأقطار الإسلامية: «أما في الأندلس فمذهب مالك، وقراءة نافع [5] » .
والذى قدم بقراءة نافع على أهل إفريقية هو ابن خيرون السابق الذكر، وكان الغالب على قراءتهم حرف حمزة، ولم يكن يقرأ بحرف نافع إلا الخواص حتى قدم بها فاجتمع إليه الناس ورحل إليه أهل القيروان من الآفاق، وكان يأخذ أخذا شديدا على مذهب المشيخة من أصحاب ورش [6] » وإذن فقد وضعت يدى بهذا النص على سبب ذيوع مذهب ورش في بلاد المغرب، ويكون من تلاميذ ابن خيرون: عبد الحكم بن إبراهيم [7] ، الذى روى رواية ورش عن أستاذه، وكان كما يقول الدانى إماما في رواية ورش [8] .
وقد ألممت في صدر هذا الباب بشيوخ الدانى، وعرفنا منهم ومن تواليفهم اهتمامهم بمذهب ورش وتلمذهم عليه: وهكذا ترى شيوخ الدانى يحتفلون بورش، يؤلفون في قراءته [9] ويساجل بعضهم بعضا في مذهبه بالتغليط والرد [10] ، وإفرادا بالتأليف في كتبه الأخرى على ما بينت. وغنى عن الذكر أن أبا على الفارسى لم تتح له هذه الظروف التى جذبت الدانى إلى ورش بما جذبت، والتى كان من نتائجها انفراد الدانى عن أبى على فيما انفرد، وما كان لذلك من أثر في الظواهر والسمات.
رابعا: الاحتجاج برسم الصحف:
وقد لحظت أن الأدلة التى يوردها الدانى في الاحتجاج لوجهة نظره تتضمن في الأعم الأغلب أدلة تتصل برسم المصحف، فالأدلة التى ذكرها في أصالة الفتح وفرعية الإمالة منها أدلة ثلاث تتعلق بالرسم «وهى الدليل الثالث والرابع والخامس [11] ،
(1) نفح الطيب 1/ 353.
(2) انظر حسن المحاضرة للسيوطى.
(3) طبقات 1/ 502.
(4) نفح الطيب 1/ 353.
(5) أحسن التقاسيم 236.
(6) نفح الطيب 1/ 353.
(7) طبقات القراء 2/ 217.
(8) طبقات القراء 1/ 360.
(9) النشر 2/ 198.
(10) معجم الأدباء 19/ 170.
(11) الموضح 4.