قبل هذين كان النحاة القراء، وكان لهم جميعا اختيار فيما يتصل بالأداء، فنقلت هذه الاختيارات إلى القراءات واعتد بها القراء، مؤثرين ما نقلوه عن آراء البصريين.
وإليك بعض الأمثلة التى بها أستشهد على موقف الدانى من نحو الكوفيين:
علل الدانى إمالة حمزة والكسائى «بلى» مستندا الى قول الكوفيين في تعليل إمالتها بقولهم: «إنما أميلت بلى، لأن الألف التى في آخرها للتأنيث بمنزلتها في حبلى وسكرى، ولذلك كتابنا ياء، والأصل بل زيدت عليها الألف دلالة على أن السكوت عليها ممكن، وأنها لا يعطف ما بعدها على ما قبلها كما تعطف بل. ويمكن عندهم دخول علامة التأنيث عليها كما يمكن دخولها على نظائرها من الحروف نحو رب، وثم قيل ربت ثمت فأدخل عليها التأنيث دلالة على تأنيثها.
حدثنا بمعنى هذا محمد بن أحمد عن ابن الانبارى عن أصحابه الكوفيين [1] .
ثم نراه في حديثه عن وزن خطايا بعد أن يبين الأسانيد المختلقة، ويذكر الذى قرأ رواية عن شيوخه يذكر اختلاف النحويين في كيفية أصل ذلك، فيروى قول الخليل وسيبويه من أن وزنها فعايل [2] ، ويروى قول يحيى بن زياد الفراء والكسائى من أن وزنها فعالى [3] ، ثم يرجح قول الكوفيين كما ذهب إليه القراء.
وكذلك «كلتا» يورد خلاف الكوفيين والبصريين ثم يقول: «وعلى قول الكوفيين عامة القراء وأهل الأداء [4] ومن هنا نراه يرد عن الفراء، ولا ينسب إليه غلطا، وإنما كان الغلط ممن نقل عنه، وذلك: «حدثنا محمد بن احمد قال:
حدثنا محمد بن القسم قال: قال الفراء: حذفت واو الجمع في قوله: { «نَسُوا اللََّهَ» } [5] .
قال أبو عمرو الدانى: «ولا نعلم أن ذلك كذلك في شىء من مصاحف أهل الأمصار، والذى حكى عن الفراء غلط من الناقل [6] : وبمثل ذلك يقف من الكسائى ويوثقه ويجعله قرين سيبويه في النقل عن العرب والاعتداد بما نقل.
وبعد: فها هو ذا الدانى في كتابه الموضح، وها هو ذا مكانه البعيد في الدراسات
(1) الموضح 225.
(4) الموضح 310.
(5) س 9آية 67، وس 9آية 19.
(6) المقنع 38.