وتوقف الأستاذ عبد الحميد حسن على هذا النحو يقابله رأى للدكتور حسن عون في كتابه «اللغة والنحو» يقرر فيه بصراحة أن الشكل بالنقط استمده أبو الأسود من النحاة السريانيين، ثم نفى الضير عن النحو العربى [1] ، وقدر مجهود أبى الأسود في صنيعه للغة والنحو، وأن استعانته بالنحاة السريانيين لا غضاضة فيه، وبرهن على ما قرره بأن أبا الأسود قد سكن العراق المغزو باللغة السريانية قبل الفتح العربى وبعده، والآهل بالعلماء السريان، وأن أبا الأسود كذلك تولى مناصب الولاية، وكان له في العراق الزعامة الدينية واللغوية، وأن السريان من قبل أبى الأسود خافوا على كتابهم المقدس أن يمتد إليه اللحن، ففكروا في وضع ضوابط، ولم تكن هذه الضوابط سوى طريقة النقط التى استعملها أبو الأسود في ضبط شكل القرآن، وخلص من ذلك إلى بيان التشابه بين عمل أبى الأسود في ضبط المصحف، وعمل السريان من قبل في ضبط الكتاب المقدس، معتمدا على أن المقدمات متشابهة، والظروف متشابهة والنتائج متشابهة. ثم أخذ يوضح كيفية اتصال أبى الأسود باللغة السريانية وبعلمائها، فاستنتج أنه لا بد وأن يكون قد اتصل بالسريان وهم الفئة المثقفة الممارسة للنشاط الفكرى في البيئة العراقية، إذ لا ينبغى مطلقا لعالم دينى لغوى، وحاكم إدارى كأبى الأسود أن يجهل وجود هذه الطبقة. وذكر أنه أدعى لأن يتعلم أبو الأسود اللغة السريانية، لكى يأخذ طريقة الشكل بالنقط عن السريان، ففي الترجمة غناء. على أنه عاد فقرر معرفة أبى الأسود للسريانية، وبدأ بالظن في ذلك أولا، ثم ارتقى من الظن إلى الترجيح، وذلك حيث يقول: «على أننا نظن بل نرجح أن أبا الأسود كان يعرف اللغة السريانية وعلل ذلك باقامته الطويلة في العراق، واهتمامه بالابحاث اللغوية والدينية، وأن الرسول وأصحابه حثوا على تعلم اللغات الاجنبية واستشهد بأن على بن أبى طالب كان ينطق في أحاديثه أحيانا بألفاظ أجنبية [2] .
وكلام الدكتور عون لا ينبغى أن يترك من غير مناقشة، ذلك لأن مثل هذه المباحث لا يؤخذ فيها بالظنون، ولا يعتمد فيها على الفروض، ولا تلقى فيها
(1) أنا اتفق مع الدكتور عون في نفى الضير عن النحو العربى، وعن واضعه أبي الأسود، ولقد أردت بمناقشته الآتية بعد حين تقرير الحقيقة ذاتها دون نظر إلى ما زعمه من ضير في استعانة أبي الأسود بالسريان، بل أن أحدا لا ينكر الفائدة المحققة من تلاقح العقول، وترافد الآراء.
(2) كتاب اللغة والنحو ص 248وما بعدها.