الأحكام من غير أدلة قويمة، ولا يرقى فيها من الظن إلى الترجيح بهذه السهولة وذلك اليسر:
فالدكتور عون لا يقدم دليلا يقينيا واحدا، بل دليله قائم على أن لا بد من اتصال أبى الاسود بالسريان، لأنهم الطبقة المستنيرة المثقفة وأنه لا داعى لتعلم أبى الأسود السريانية ففي الترجمة غناء، ثم عاد ورجح أن أبا الأسود كان يعرف السريانية بإقامته الطويلة في العراق، واهتمامه بالبحوث اللغوية والدينية، وحث الرسول على تعلم اللغات الأجنبية. وهذه كلها أدلة ظنية، فالاقامة الطويلة بالعراق لا تنتج حتما معرفة السريانية، وقد نسى الدكتور عون أن الدولة الأموية كانت دولة عربية خالصة، وأن السريان لم يكن لهم من السلطان العلمى في ظل هذه الدولة كما كان لهم في دولة بنى العباس، وإذ ثبت ذلك فقد انهدم ما بنى الدكتور عليه من أمر. هذا شىء وشىء آخر: هل من اللازم الذى لا بد منه أن يتصل الولاة والرؤساء الدينيون في كل عصر بالباحثين المعاصرين؟ وهل اتصل الشيوخ من رجال الدين في عصرنا أو الحكام السياسيون بهؤلاء العلماء الأجانب المعاصرين باليهود الباحثين وهم القابضون على ناصية الاقتصاد والسياسة والاجتماع ومظاهر التثقيف؟ إلى أن كتب التراجم لم تتحدث عن أبى الأسود عالما بالسريانية، أو متصلا بها اتصالا علميا، فهذا الجاحظ العالم المتقصى المستطرد المستوعب يذكر عن أبى الأسود أنه معدود في طبقات الناس وهو في كلها مقدم مأثور عنه الفضل في جميعها وكان معدودا في التابعين، والفقهاء، والشعراء، والمحدثين، والأشراف، والفرسان، والأمراء، والدهاة، والنحويين، والحاضرى الجواب، والشيعة، والبخلاء والصلع الأشراف، والبخر الأشراف [1] » ولم يذكر الجاحظ أن أبا الأسود معدود من المتكلمين باللغات من أنه استقصى كل شىء معدود فيه الأسود حتى عده من الصلع، والبخر الاشراف!!
ثم، هل اهتمام أبى الأسود بالبحوث اللغوية والدينية يستوجب اتصاله بالسريانية؟.
وصحيح أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) حث على تعلم اللغات الأجنبية،
(1) جاءت العبارة مروية عن الحافظ في بغية الوعاة ص 274وهو محرفة عن الجاحظ. انظر الأغانى 11/ 102ط الساسى.