ولكن حثه كان على طريق الندب المستحب، لا على طريق الإلزام الواجب، ولو كان الأمر ملزما لانكبّ المسلمون عليها سعيا وراء المدخر من الثواب، والدليل على أن الأمر لم يكن على سبيل الإلزام استشهاد الدكتور عون نفسه برجل واحد حسب، في كلمة واحدة حسب!! إلى أن استشهاد الدكتور يعلى بن أبى طالب وأنه كان ينطق أحيانا بألفاظ أجنبية، لا ينهض دليلا على معرفة على باللغة اليونانية، ذلك لأن الدكتور عون يعتمد على رواية الثعالبى في يتيمته، [1] ونص ما أورده الثعالبى: سأل على (عليه السلام) شريحا مسألة فأجاب بالصواب فقال له: «قالون» أى أصبت بالرومية [2] .
ومع التسليم جدلا بأن هذه الرواية صحيحة، فهل معنى ذلك أن عليا يعرف اليونانية؟ فاعجب من كلمة واحدة تروى عن على تتخذ دليلا على معرفته عليه السلام بلغة اليونان؟ وكثير منا الآن ومن عامة الناس لا من خاصتهم المثقفين ينطق باللغات الأوربية كلمات الشكر والإهداء عند الأخذ والإعطاء، وكلمات التحية عند الوداع أو اللقاء في الصباح وفى المساء. فهل معنى ذلك أن يعد أمثال هؤلاء في الذين تجرى على ألسنتهم لغة الأوربيين؟ على أن الفارق كبير بين عصرنا وعصر أبى الأسود من حيث الاهتمام بتعلم اللغات، والمكانة الثقافية لهؤلاء الأعاجم علوا في هذا العصر، وضعة في الصدر الأول من الإسلام. فالقول بأن أبا الأسود أخذ طريقة النقط من السريانية تهويل لا يقوم على دليل كهذه التهاويل التى أحيطت بها اللغة السريانية منذ بدء الخليقة إلى نهاية المطاف في القبور: فآدم علم الكتابة السريانية [3] ، وسؤال القبر بالسريانية [4]
وعمل أبى الأسود في شكل المصحف عن طريق النقط لا يحتاج إلى تفسيره بالاعتماد على السريان والاتصال بهم، فعمله النقط، والنقطة أول ما يتجه إليه الذهن في مثل ذلك العمل إذ هى أبسط ما يخط فليس هناك ما يدعو إلى أن يتجه أبو الأسود إلى السريان ينقل عنهم، وينهج نهجهم، ولم لا يكون عمل أبى الأسود واتفاقه هو وما عمل السريان من توارد الخواطر، ووقع الحافر على
(1) القسم الأول ص 455.
(2) يعلق الدكتور عون على قول الثعالبى أن كلمة قالون رومية بقوله: إن ذلك من قبيل الخلط عند القدماء في تسمية ما هو يونانى بالرومى (اللغة والنحو ص 251) .
(3) الفهرست 18.
(4) متن الخريدة.