فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 735

الحافر على ما فيه من بداهة وبدائية، وما عند أبى الأسود من حدة ذهنية؟ فالأصل أن أبا الأسود قام بهذا العمل ابتداء، وابتدعه بين المسلمين ابتداعا، ما لم بقم على غير ذلك دليل يعتمد عليه في التأويل والتعليل والله أعلم.

ومهما يكن من أمر فان أبا الأسود قد وضع علم النحو، واستخلفه ابن عباس على البصرة [1] ، وظل بها يلقى تعاليمه إلى أن لقى ربه سنة (69هـ) [2] وقد أخذ عنه عنبسة الفيل ونصر بن عاصم الليثى (89هـ) ويحيى بن يعمر (128هـ) هم رأس المدرسة البصرية في النحو، وتتظاهر الروايات على أن أول كوفى وضع كتابا في النحو هو أبو جعفر الرواسى بعد نحو مائة عام من تأسيس المدرسة البصرية، ولذلك عد الرواسى رأس المدرسة الكوفية، ويتتابع تلاميذ كل من أبى الأسود الدؤلى وأبى جعفر الرؤاسى، على النحو الذى تذكره كتب الطبقات [3] .

وكان لكل مدرسة طابع خاص في تناول الدراسات النحوية، مما كان سببا في اشتداد التنافس بين المدرستين، ويرجع الخلاف بينهما إلى أن قواعد البصرين عامة يندرج تحتها معظم الشواهد العربية، وقد أمكنهم ذلك باستقراء هذه الشواهد والأمثلة وأساليب العرب، ثم أصدروا أحكامهم [4] على الأعم الأغلب، وأما ما عدا ذلك من المسائل فأما أن يؤولوه حتى يوافق مذهبهم، وإما ألا يعتدوا به فلا يقيسوا عليه بل يحكموا عليه بالشذوذ، وهذه نزعة البصريين من قديم [5] .

أما الكوفيون فكانوا يعتدون بالشواهد الفردية، وإن لم يرد غيرها في كلام العرب ويقيسون عليها، فإذا سمعوا لفظا في شعر أو نادرا في كلام جعلوه بابا [6] ، ولو سمعوا بيتا واحدا فيه جواز شىء مخالف للأصول جعلوه أصلا وبوبوا عليه [7] :

اجتمع ثعلب والمبرد في مجلس محمد بن عبد الله بن طاهر فسألهما عن قوله (عز وجل) :

{ «إِذْ قََالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنََّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ} : كم فيه لغة؟» قال المبرد: «قلت» برآء على مثال كرماء وبراء على مثال كرام»، فقال ثعلب «وبراء أيها الأمير:» فقال: «ما تقول يا محمد:

فقلت: والقائل المبرد «أيها الأمير: سله من أين؟» قال: «من أين قلت!؟»

(1) طبقات الزبيدى 17.

(2) نزهة الألباء ص 6.

(3) ضحى الإسلام 2/ 284.

(4) انظر الاقتراح ص 17.

(5) انظر طبقات الزبيدى 15، 44.

(6) الهمع 1/ 45.

(7) الاقتراح ص 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت