قال والقائل ثعلب: حدثنى سلمة عن الفراء أنه سمع أعرابية تقول: «ألا في السوة أنتن: تريد ألا في السوءة فطرحت الهمزة، فأخذ المبرد يأتى بالحجة تلو الحجة، وبالدليل بعد الدليل، وكان آخر ما قال: لا يترك كتاب الله، واجماع العرب لقول أعرابية رعناء [1] !» ، وفى هذه المحاجة دليل على منهج البصرين في اعتدادهم بالأعم الأغلب يجرى على ألسنة العرب، ويتفشى لغتهم، كما هى دليل على أخذ الكوفيين بالشواهد الفردية.
وللكوفيين في قياسهم على الشاذ سند من أشياخ البصريين ومتقدميهم، حدث على بن محمد بن سليمان الهاشمى عن أبيه قال: قلت لعيسى بن عمر يوما خبرنى عن هذا الذى وضعت أيدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال لا، قال: قلت: فمن تكلم بخلافك واحتذى ما كانت العرب تتكلم به، أتراه مخطئا؟ قال: لا [2] .
* * * وقد كان نتيجة ذلك أن بدا نحو البصرين صار ما حازما يقل فيه التجويز على حين يكثر التجويز ظاهرا عند الكوفيين، فيه كثير من الترخص والاباحة، فيجوز عندهم أن يجمع العلم الذى في آخره تاء التأنيث إذا سميت به رجلا جمع المذكر السالم [3] ، كما يجوز تقديم خبر ما زال وأخواتها عليهن [4] ، ويجوز تقديم معمول خبر ما الحجازية على نفسها [5] ويتعجب من السواد والبياض [6] ويجوز العطف على موضع أن قبل تمام الخبر [7] وهكذا وهكذا ويمتنع ذلك كله عند البصريين.
والكوفيون مع تجويزهم القليل يستحبون الكثير، ولذلك كان الفراء يقول: «لست أستحب ذلك لقلته [8] » يشير إلى الجمع بين صيغة الأفعال والباء في قوله تعالى:
{ «يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ» } .
ويظهر أن الكوفيين أرادوا وهم مؤدبو الخلفاء [9] وأولادهم أن ييسروا على هؤلاء في الدراسات النحوية بتصويب ما يجرى على ألسنتهم من التعبيرات التى تخضع لقاعدة طردها الكوفيون، وقاسوا عليها، فيسروا وأسجحوا، واطرد عندهم
(1) مجالس اللغويين والنحاة لوحه رقم 45نسخه مصورة عن شهيد على باستانبول.
(2) طبقات الزبيدى 41.
(3) الانصاف 1/ 26.
(4) الانصاف 1/ 99.
(5) الانصاف 1/ 111.
(6) المصدر السابق ص 95.
(7) الانصاف 1/ 119.
(8) معاني القرآن 19.
(9) كان الكسائى مؤدب الرشيد، وكان الفراء مؤدبا للأمين والمأمون.