وقد نشأ ابن المقفع بالبصرة [1] ، وكان صديقا حميما للخليل بن أحمد، وكان في الخليل بن أحمد النحوى البصرى ذكاء نادر يستطيع به أن يهضم الأبحاث المنطقية واللغوية التى ينقلها ابن المقفع من الفهلوية [2] وربما كان ذلك يمت بسبب إلى ما رووا عنه من أنه كان الغاية في تصحيح القياس، واستخراج مسائل النحو وتعليله [3] .
وقد ظلت المدرسة البصرية تجرى على هذا السنن من الأخذ بالمنطق، واستخدام القياس، والتعليلات الفلسفية حتى وصلت في ذلك إلى الحد الذى يبدو فيما دار بين المبرد البصرى، وثعلب النحوى في مجلس محمد بن عبد الله بن طاهر: سأل المبرد ثعلبا عن همزة بين بين أساكنة هى أم متحركة؟ قال ثعلب: «لا ساكنة ولا متحركة» يريد أن حركتها روم. فقال المبرد: قوله: «لا ساكنة» قد أقر أنها متحركة، وقوله. «لا متحركة» قد أقر أنها ساكنة فهى ساكنة لا ساكنة، ومتحركة لا متحركة [4] !! «وفى ذلك صورة من الجدل الفلسفى والأسلوب العقلى الذى شاع عند النحاة البصريين. وكان ثعلب ذا نقل عن الفراء والكسائى، فاذا سئل عن الحجة والحقيقة لم يأت بشيء [5] . وانتقلت حدود المناطقة إلى النحويين، وهذا الزجاجى من مدرسة المبرد يحدد الاسم فيقول: الاسم في كلام العرب ما كان فاعلا أو مفعولا، أو واقعا في حيز الفاعل والمفعول به، هذا الحد داخل في مقاييس النحو وأوضاعه وليس يخرج عنه اسم البتة ولا يدخل فيه ما ليس باسم، وإنما قلنا في كلام العرب لأنا له نقصد وعليه نتكلم، ولأن المنطقيين وبعض النحويين قد حدوه حدا، خارجا عن أوضاع النحو فقالوا الاسم صوت موضوع دال باتفاق على معنى غير مقرون بزمان. وليس هذا من ألفاظ النحويين ولا أوضاعهم وإنما هو من كلام المنطقين وإن كان قد تعلق به جماعة من النحويين [6] .
* * * وقد تبين لى أن الكوفيين يعتدون بالقراءات، ويبنون قواعدهم عليها، على
(1) ضحى الإسلام: 1/ 204.
(2) تاريخ الفلسفة في الإسلام ص 39.
(3) نزهة الالباء ص 31.
(4) مجالس اللغويين والنحاة لوحة رقم 55نسخة مصورة عن شهيد على باستانبول.
(5) انباه الرواة: 1/ 144.
(6) الايضاح في علل النحو للزجاجى ص 6ب.