حين أن البصريين وقفوا منها موقفهم من سائر النصوص اللغوية، وأخضعوها لأصولهم وأقيستهم، فما وافق منها أصولهم ولو بالتأويل قبلوه، وما لم يوافق رفضوه، بل ربما حكموا على القراءة بالوهى، وعلى القارئ بالوهم [1] .
وكان الفراء يقول «والكتاب أعرب وأقوى في الحجة من الشعر [2] » «والاجتماع من قراءة القراء أحب إلى [3] » وربما اقتضى منهج هذا البحث العود إلى هذا الموضوع بالتفصيل، فأرجئه لأعود إليه بعد حين.
* * * وقد احتفظت المدرستان بوجودهما المنفصل حتى نهاية القرن الثالث أو وسط القرن الرابع وحينئذ أصبحتا مختلطتين في المدرسة الجديدة: في بغداد.
وقد توفر ابن قتيبة وهو نحوى بصرى بعد انسحابه من القضاء في الدينور على التدريس ببغداد إلى أن مات سنة 276هـ وكان يميل إلى خلط تعاليمه بنظريات منقولة من الكوفيين [4] .
ويعد المبرد البصرى (285هـ) ، وثعلب الكوفى (291هـ) آخر ممثلين للمدرستين، وقد سكن هذان العالمان المتنافسان بغداد، كما اشتركا في تأديب الشاعر الأمير ابن المعتز، وقد سمع الناس محاضرات كلا الأستاذين، وكانت اندماج تعاليم المدرستين في الجيل التالى من النحويين الذين أسسوا مدرسة بغداد [5] .
واحتفظت المدرسة البصرية بتعاليمها إلى أواسط القرن الرابع لأن ابن دريد الذى عاصر المبرد لمدة اثنين وستين عاما ظل حيا حتى 321هـ، وباستثناء هذا المعمر الذى كان البقية الباقية من مدرسة البصرة فان من خلف المبرد وثعلب يسمون بالبغداديين كأبى بكر بن السراج ومبرمان، لا لأنهم سكنوا وحاضروا في بغداد، ولكنهم هناك لقنوا مذهبا جديدا مزيجا من تعاليم المدرستين القديمتين من تفاوت منهم في النزوع إلى إحداهما دون الأخرى [6] .
(1) انظر مسألة 60من الانصاف.
(2) معاني القرآن ص 14ط (دار الكتب) .
(3) معاني القرآن ورقة 194.
(4) الفهرست لابن النديم ص 115.
(5) مقدمة. ... 11.
(6) المصدر السابق. .. 61.