التى كانوا يعقدونها منذ سعد الرابية [1] إلى يونس بن حبيب [2] ومن تلاهما من النحاة حتى الفارسى في حلقاته التى كان يعقدها الدرس في البصرة، وشيراز، وبغداد، وحلب، وغيرها من البلاد التى تنقل فيها وأملى مسائله المشهورة المنسوبة إلى هذه البلاد.
* * * وكان من مظاهر النشاط النحوى هذه المناظرات التى دارت بين النحاة في وقت مبكر، حتى أن يزيد بن الحكم الذى عاش زمن عبد الملك بن مروان يهجو النحويين فيقول:
إذا اجتمعوا على ألف وواو ... وياء، هاج بينهم جدال [3]
ويروى قتال بدل جدال [4] . وكان في بغداد مجلس يعرف بمجلس النحويين [5]
ومن هنا ألف المؤلفون كتابا بامم المجلس. ويبدو أن التناظر كان فيصلا بين المتناظرين، وسبيلا إلى تعرف وجه الحق فيما عليه يختلفون. قال الزجاجى في مقدمة كتابة إيضاح علل النحو» ومن سمت نفسه إلى تتبع ما أود عناه إياه، وسميناه فيه وفحصه والكشف عن حقائقه فحقيق عليه إن مر به ما ينكره أن يراجع فكره ويتبين قريحته ويحرك خاطره، ليقف على ما لعله قد انستر عنه! ولا يحكم من أول وهلة بخروج عن الحق، فإن هو فعل ذلك وتدبره، ولم يره ينقاد في طريقة القياس مستمرا ورأى أنه لا حق إلا في غيره كانت حلبة التناظر باجتماع ذوى الهمم والنظر والفحص والجدل معنا فيها فاصلة بيننا وبينه، حتى نصير معا بحق النظر إلى الصواب فنعتقده جميعا، لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادى في الباطل، ولم يعر خلق من السهو والغلط، والكمال لله عز وجل، والنقص شامل للمخلوقين [6]
وقد دعا إلى هذه المناظرات أحيانا ما كان بين المتناظرين من اختلاف في المذاهب النحوية، كما وقع بين عيسى بن عمر [7] والكسائى [8] وبين سيبويه، والكسائى
(1) سيبويه امام النحاة 133وبغية الوعاة 253.
(2) الفهرست 63ونزهة الألباء 32.
(3) خزانة الأدب: 108.
(4) درة الغواص: 106.
(5) انظر معجم الأدباء: 19/ 123.
(6) مقدمة ايضاح علل النحو للزجاجى.
(7) انظر وفيات الأعيان: 3/ 145فى ترجمته عيسى بن عمر.
(8) طبقات الزبيدى: 38.